4 مايو/ تقرير/ مريم بارحمة
تشهد محافظات الجنوب العربي خلال الأيام الأخيرة حراكًا سياسيًا وتنظيميًا واسعًا يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي العربي برئاسة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، عبر سلسلة من الاجتماعات الموسعة التي انعقدت في حضرموت وعدن ولحج والضالع وأبين وشبوة وسقطرى والمهرة، بالتزامن مع الذكرى الثانية والثلاثين لإعلان فك الارتباط في 21 مايو 1994م، في خطوة تعكس سعي المجلس لإعادة ترتيب البيت الجنوبي وتعزيز تماسكه السياسي والتنظيمي والشعبي في مواجهة مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
ولم تأتِ هذه الاجتماعات في توقيت عابر، بل جاءت في لحظة مفصلية من تاريخ شعب الجنوب ونضاله الوطني، في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، وتحديات داخلية متشابكة، ومحاولات مستمرة لإعادة تشكيل المشهد السياسي بعيدًا عن إرادة الجنوبيين وتطلعاتهم الوطنية المرتبطة باستعادة دولتهم الجنوبية كاملة السيادة.
ولهذا بدت الاجتماعات الموسعة أقرب إلى عملية تعبئة سياسية وتنظيمية شاملة، تستهدف توحيد الخطاب الوطني، وتعزيز الاصطفاف الجنوبي، ورفع مستوى الجاهزية التنظيمية والسياسية والشعبية، استعدادًا لمرحلة يراها كثير من الجنوبيين حاسمة في مسار قضية شعب الجنوب.
_من حضرموت إلى سقطرى خطاب سياسي موحد
اللافت في الاجتماعات التي شهدتها محافظات الجنوب العربي أنها حملت خطابًا سياسيًا متقاربًا يعكس وجود رؤية موحدة يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي العربي إلى ترسيخها خلال المرحلة المقبلة، قوامها توحيد الصف الجنوبي، وتعزيز التلاحم الوطني، وربط العمل التنظيمي بالمشروع الوطني الجنوبي.
ففي حضرموت، ركّزت الاجتماعات على أهمية تطوير الأداء السياسي والتنظيمي والجماهيري، وتعزيز التنسيق بين الهيئات المحلية والمركزية، مع التأكيد على أن حضرموت تمثل ركيزة أساسية في معادلة الجنوب العربي السياسية والوطنية.
أما في العاصمة عدن، فقد برز التركيز على العلاقة بين التحديات المعيشية والخدمية التي يعيشها المواطن الجنوبي وبين الحرب الممنهجة التي تستهدف إرادة شعب الجنوب وقضيته الوطنية، مؤكدين أن مواجهة الأزمات الاقتصادية والخدمية تمثل جزءًا من معركة الصمود الوطني والسياسي.
وفي شبوة، حملت الاجتماعات رسائل واضحة بشأن أهمية رفع الجاهزية السياسية والتنظيمية، والتمسك بالثوابت الوطنية الجنوبية، ورفض أي مشاريع أو تسويات تنتقص من حق شعب الجنوب في استعادة دولته، إلى جانب التأكيد على أهمية القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية باعتبارها الضامن الأساسي لحماية المكتسبات الوطنية.
بينما جاء اجتماع أبين ليؤكد أهمية وحدة الصف الجنوبي وتعزيز الاصطفاف الوطني، حيث ناقش المشاركون جملة من القضايا التنظيمية والسياسية المرتبطة بالمرحلة الراهنة، وشددوا على ضرورة تكثيف العمل الجماعي والتلاحم الشعبي، ورفع مستوى التنسيق بين القيادات المحلية، بما يخدم قضية شعب الجنوب ويعزز حضورها الوطني والسياسي.
وفي سقطرى، ركّزت الاجتماعات على تعزيز الاصطفاف الوطني والعمل المؤسسي، والتأكيد على الهوية الجنوبية للأرخبيل وارتباطه بالمشروع الوطني الجنوبي، مع رفض أي محاولات لفصل سقطرى عن محيطها الوطني والسياسي.
_أهمية هذه الاجتماعات
تكمن أهمية هذه الاجتماعات في أنها جاءت في لحظة سياسية دقيقة يمر بها الجنوب العربي، حيث تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية والخدمية، بالتزامن مع حراك إقليمي ودولي متسارع لإعادة ترتيب ملفات المنطقة.
ويبدو أن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي أراد من خلال هذا الحراك الواسع توجيه عدة رسائل متزامنة؛ أولها أن المجلس ما يزال يمتلك قاعدة جماهيرية وتنظيمية واسعة في مختلف محافظات الجنوب، وثانيها أن قضية شعب الجنوب لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الشعبي والسياسي، وثالثها أن أي تسويات سياسية مستقبلية لا يمكن أن تتجاوز إرادة الجنوبيين أو تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ملف هامشي ضمن الأزمة اليمنية.
كما تعكس هذه الاجتماعات إدراكًا متزايدًا لدى القيادة الجنوبية لأهمية تحصين الجبهة الداخلية في ظل التحديات الراهنة، خصوصًا مع تصاعد حملات الاستهداف السياسي والإعلامي، وتزايد الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تحاول بعض القوى توظيفها لإضعاف الحاضنة الشعبية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي.
_مرحلة مفصلية من تاريخ النضال الجنوبي
ما يمنح هذه الاجتماعات أهمية أكبر أنها جاءت في توقيت يرتبط بذكرى وطنية مفصلية في تاريخ الجنوب العربي، هي ذكرى إعلان فك الارتباط في 21 مايو 1994م، وهي الذكرى التي تمثل بالنسبة للجنوبيين محطة سياسية ووطنية تجسد استمرار النضال من أجل استعادة الدولة الجنوبية.
ولهذا، فإن الاجتماعات الموسعة بدت وكأنها إعادة تأكيد جماعية على استمرار المشروع الوطني الجنوبي، وتجديد للتمسك بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته كاملة السيادة.
كما حملت هذه الاجتماعات بعدًا معنويًا وسياسيًا مهمًا، يتمثل في محاولة تعزيز ثقة الشارع الجنوبي بقدرة المجلس الانتقالي على إدارة المرحلة المقبلة، والحفاظ على المكتسبات السياسية والعسكرية التي تحققت خلال السنوات الماضية رغم حجم التحديات.
_إعادة بناء المؤسسة الجنوبية
إلى جانب الرسائل السياسية، حملت الاجتماعات بُعدًا تنظيميًا واضحًا، حيث ركزت معظم المداخلات والبيانات على تطوير الأداء المؤسسي، وتفعيل الهيئات المحلية، وتمكين الكوادر السياسية والتنظيمية، ورفع مستوى التنسيق بين مختلف الأطر القيادية.
ويعكس هذا التوجه إدراك المجلس الانتقالي الجنوبي العربي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مؤسسات أكثر فاعلية، وخطاب سياسي وإعلامي أكثر تنظيمًا، وقدرة أكبر على إدارة الملفات السياسية والخدمية والجماهيرية.
كما أن إشراك منسقيات الجامعات وكتل الجمعية الوطنية ومجلس المستشارين في هذه الاجتماعات يعكس رغبة واضحة في توسيع دائرة المشاركة السياسية والتنظيمية، وربط العمل الميداني بالأطر الفكرية والأكاديمية، بما يسهم في إنتاج خطاب وطني أكثر تماسكًا وتأثيرًا.
_قضية شعب الجنوب في قلب المشهد
ما ميّز هذه الاجتماعات أيضًا هو الحضور القوي لقضية شعب الجنوب بوصفها القضية المركزية التي تدور حولها مختلف المواقف والخطابات والبيانات الصادرة.
فجميع الاجتماعات أكدت بصورة واضحة أن خيار استعادة الدولة الجنوبية الفيدرالية كاملة السيادة يمثل هدفًا ثابتًا لا تراجع عنه، وأن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي الحامل السياسي والممثل الوطني لهذا المشروع.
كما أعادت الاجتماعات التأكيد على أن التحديات الاقتصادية والخدمية التي يعيشها المواطن الجنوبي لن تُثني الجنوبيين عن مواصلة نضالهم الوطني، بل ستزيد من تمسكهم بحقهم في بناء دولتهم الجنوبية القادرة على تحقيق الاستقرار والكرامة والسيادة.
_القوات الجنوبية الضامن الوطني
ومن أبرز النقاط المشتركة في مختلف الاجتماعات، التأكيد على أهمية القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية، واعتبارها صمام أمان الجنوب العربي وحصنه الدفاعي الأول.
وقد حملت هذه الرسائل أبعادًا سياسية وأمنية واضحة، خصوصًا في ظل الحديث المتزايد عن ترتيبات سياسية وعسكرية محتملة في بعض محافظات الجنوب.
ويبدو أن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي يسعى إلى ترسيخ معادلة مفادها أن أي تسوية سياسية مستقبلية لا يمكن فصلها عن وجود قوة عسكرية جنوبية قادرة على حماية المشروع الوطني الجنوبي والدفاع عن المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
_مواجهة الاستهداف وتعزيز الوعي الوطني
كما كشفت الاجتماعات عن حالة استشعار متزايدة لمحاولات الاستهداف السياسي والإعلامي والتنظيمي التي يتعرض لها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، وهو ما دفع القيادات المشاركة إلى التأكيد على ضرورة توحيد الخطاب السياسي والإعلامي، ورفع مستوى الوعي الشعبي، ومواجهة حملات التضليل والشائعات.
ويكشف هذا التوجه عن إدراك المجلس أن معركة المرحلة المقبلة لن تكون عسكرية فقط، بل ستكون أيضًا معركة وعي وخطاب سياسي وإعلامي، تتطلب حضورًا جماهيريًا وتنظيميًا متماسكًا وقادرًا على حماية المشروع الوطني الجنوبي.
_الجنوب أمام مرحلة جديدة
تكشف الاجتماعات الموسعة التي شهدتها محافظات الجنوب العربي عن دخول المجلس الانتقالي الجنوبي العربي مرحلة جديدة من العمل السياسي والتنظيمي، تقوم على إعادة ترتيب الصفوف، وتحصين الجبهة الداخلية، وتعزيز الحضور الجماهيري والمؤسسي، استعدادًا لاستحقاقات سياسية تبدو شديدة الحساسية والتعقيد.
كما تعكس هذه الاجتماعات حالة من السعي الجاد لترسيخ مشروع سياسي متكامل يقوم على توحيد الخطاب الوطني، ورفع مستوى الأداء المؤسسي، وتعزيز العلاقة بين القيادة الجنوبية والشارع الجنوبي، في ظل قناعة متزايدة لدى الجنوبيين بأن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل الجنوب العربي وقضية شعبه.
وبينما تتصاعد التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية، المجلس الانتقالي الجنوبي العربي يراهن على عاملين أساسيين: التماسك الشعبي، وإعادة بناء مؤسساته التنظيمية والسياسية، باعتبارهما الضمانة الأهم لعبور المرحلة المقبلة والحفاظ على حضور قضية شعب الجنوب في المشهدين الإقليمي والدولي.