الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 10:14 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ تقرير/علي سيقلي
في الوقت الذي تتآكل فيه ذاكرة المدن بفعل الحروب والإهمال، ما تزال مدينة عدن تحتفظ بجزء كبير من تاريخها خارج حدودها، داخل أرشيفات ومكتبات بريطانية تبعد آلاف الكيلومترات عن المدينة التي صنعت تلك الوثائق ذات يوم.
هذا السؤال عاد إلى الواجهة مجددًا خلال اللقاء الذي نظمته نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، واستضافت فيه الباحث في التاريخ المدني والإداري لعدن بلال غلام، للحديث عن تجربته الطويلة مع الأرشيفات البريطانية، وما تختزنه من وثائق نادرة تتعلق بتاريخ عدن والمحميات الشرقية والغربية، بعضها يُكشف للمرة الأولى.
اللقاء، الذي احتضنه مقر النقابة في مديرية التواهي، لم يكن مجرد ندوة ثقافية عابرة، بل بدا أقرب إلى محاولة لإعادة فتح “الصندوق المنسي” لذاكرة عدن الحديثة، واستعادة النقاش حول مصير الأرشيف التاريخي للمدينة، وأين يوجد اليوم، وكيف يمكن إنقاذه.
وحضر اللقاء عدد من قيادات النقابة والصحفيين والإعلاميين والمهتمين بالشأن التاريخي والثقافي، بينهم نجيب مقبل رئيس الدائرة التنظيمية، ويوسف محمد القعيطي “أبو يعقوب” ممثل الجالية الجنوبية في ولاية إلينوي/شيكاغو. والسفير قاسم عبدالرب العفيف، والأكاديمية د. رجاء باطويل.
“تاريخنا موجود هناك”
في كلمته الافتتاحية، قال نقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين عيدروس با حشوان إن الباحث بلال غلام قضى سنوات طويلة “ينبش تاريخًا مغمورًا في الداخل، ومتاحًا في الخارج”، في إشارة إلى الوثائق البريطانية المتعلقة بعدن، والتي بقيت محفوظة بعناية في لندن، بينما تعرض جزء واسع من الأرشيف المحلي للإهمال والضياع.
وأضاف با حشوان أن أزمة عدن ليست فقط في فقدان الوثائق، بل في غياب الوعي بأهمية الأرشيف بوصفه ذاكرة وطن وهوية مجتمع، مؤكدًا أن الباحث غلام تميز بالتزامه بالأمانة العلمية، وحرصه على توثيق كل مادة بعبارة “إعداد وترجمة”، دون الادعاء بامتلاك الحقيقة أو احتكارها.
وأشار إلى أن بعض الروايات المتداولة شعبيًا حول تاريخ عدن سقطت أمام الوثائق الرسمية، مستشهدًا بالرواية الشهيرة التي تقول إن الملكة إليزابيث أقامت في فندق الهلال بعدن، بينما كشفت الوثائق البريطانية أنها لم تُقم فيه مطلقًا، بل بقيت على متن الباخرة التي أقلتها إلى المدينة.
رحلة بدأت من لندن
من جانبه، استعرض الباحث بلال غلام رحلته مع الأرشيف البريطاني، موضحًا أن بداياته تعود إلى عام 2000م، حين كان يعمل ضابط تحقيقات في قضايا اللجوء السياسي بوزارة الداخلية البريطانية في لندن.
وقال إن العمل كان يستهلك معظم وقته، لكنه اعتاد تخصيص يوم أسبوعيًا لزيارة المكتبات والأرشيفات، قبل أن يتحول الأمر تدريجيًا إلى شغف حقيقي بالبحث عن تاريخ عدن من مصادره الأصلية.
وأوضح أن رحلته البحثية قادته إلى ثلاث مؤسسات رئيسية تضم القسم الأكبر من تاريخ عدن ومحمياتها، وهي:
المكتبة البريطانية الكبرى، التي تضم وثائق تغطي الفترة من احتلال عدن في 19 يناير 1839 وحتى 6 أبريل 1936.
أرشيف البرلمان البريطاني، الذي يحتوي وثائق مرحلة الاستقلال والمفاوضات السياسية بين عامي 1963 و1967.
الأرشيف الوطني البريطاني خارج لندن، والذي يضم آلاف الملفات والصور والمخطوطات النادرة الخاصة بعدن والمحميات الشرقية والغربية.
وأشار غلام إلى أن بعض الملفات تحتوي مئات الوثائق التفصيلية، وأن الباحث لا يُسمح له بالاطلاع سوى على عشرة ملفات يوميًا، رغم ضخامة الأرشيف الذي يضم عشرات الآلاف من الوثائق المتعلقة بعدن وحدها.
أين يوجد أرشيف عدن اليوم؟
بحسب بيانات discovery.nationalarchives.gov.uk�، فإن أرشيف الإدارة البريطانية في عدن يعد من أكبر الأرشيفات الاستعمارية البريطانية المتعلقة بالمنطقة، ويضم ما يقارب 12 ألف ملف ووثيقة تغطي الفترة الممتدة من 1839 حتى 1967م.
ويتوزع هذا الأرشيف بين:
سجلات الإدارة السياسية في عدن.
ملفات المحميات الشرقية والغربية.
وثائق المعاهدات مع السلطنات والمشيخات.
مراسلات حكام عدن والمندوبين السياسيين.
خرائط عسكرية ومدنية ومينائية.
ملفات الأمن والشرطة والاستخبارات.
سجلات التعليم والصحة والخدمات.
الصور الفوتوغرافية والمخططات الهندسية.
كما يحتوي على وثائق حساسة تتعلق بحالة الطوارئ في عدن خلال ستينيات القرن الماضي، والصراع مع الحركات الوطنية قبيل الاستقلال.
والمفارقة التي قد تبدو صادمة للكثيرين أن الجزء الأكبر من أرشيف عدن لا يوجد اليوم داخل عدن نفسها، بل في بريطانيا، بعدما جرى نقل أعداد كبيرة من الوثائق الرسمية إلى لندن قبيل الانسحاب البريطاني عام 1967.
ويجري حفظ تلك الوثائق حاليًا ضمن:
سجلات مكتب الهند.
الأرشيف الوطني البريطاني في كيو.
bl.uk� – قسم آسيا وأفريقيا.
وتشير السجلات البريطانية إلى أن هذه الوثائق “استلمت عبر وزارة الخارجية خلال 1966 – 1967”، أي قبل نهاية الوجود البريطاني مباشرة.
كيف ضاع ما تبقى داخل عدن؟
في مقابل الحفظ الدقيق للأرشيف داخل بريطانيا، تعرض جزء واسع من الأرشيف المحلي في عدن للتلف والضياع نتيجة:
الصراعات السياسية بعد الاستقلال.
الحروب المتعاقبة.
ضعف مؤسسات الحفظ والتوثيق.
الرطوبة والإهمال الإداري.
نهب الصور والوثائق التاريخية.
ولهذا أصبحت النسخ البريطانية، paradoxically، هي المصدر الأكثر اكتمالًا لتاريخ عدن الحديث.
وخلال حديثه، عبّر الباحث بلال غلام عن أسفه لما وصفه بـ”الجريمة الثقافية” التي طالت المكتبة الوطنية في عدن، نتيجة الإهمال وغياب الاهتمام الرسمي، رغم ما تمثله من قيمة علمية وبحثية مهمة، خاصة للباحثين وطلاب جامعة عدن.
وأكد أن الأمم التي لا تحترم أرشيفها، تفقد قدرتها تدريجيًا على كتابة تاريخها بنفسها.
لماذا يعد هذا الأرشيف مهمًا؟
تكمن أهمية أرشيف عدن في أنه لا يوثق فقط مرحلة استعمارية، بل يسجل تفاصيل بناء الدولة الحديثة والحياة اليومية في المدينة.
فالأرشيف يحتوي على معلومات دقيقة حول:
تطور ميناء عدن.
الإدارة المدنية والبلدية.
البنية الاجتماعية والقبلية.
التعليم والصحافة والنقابات.
العلاقات السياسية والإقليمية.
الخرائط العمرانية القديمة.
المشاريع المدنية وتكاليفها التفصيلية.
وأشار غلام إلى أن بعض الملفات تتضمن أدق التفاصيل المالية للمشاريع، بما في ذلك المبالغ المصروفة على الطرق والموانئ والمباني والخدمات العامة، ما يعكس مستوى الدقة الإدارية آنذاك.
ويرى باحثون أن أرشيف عدن يعد من أغنى الأرشيفات المتعلقة بتاريخ الجزيرة العربية الحديث، كما أن كثيرًا من النزاعات السياسية والحدودية الحالية يمكن فهم جذورها من خلال تلك الوثائق.
هل يمكن استعادة أرشيف عدن؟
رغم صعوبة استعادة الأصول الأصلية للأرشيف من بريطانيا، إلا أن خبراء وباحثين يرون أن الطريق الأكثر واقعية اليوم يتمثل في الرقمنة والحفظ الإلكتروني.
وتشمل المقترحات المطروحة:
توقيع اتفاقيات مع المؤسسات البريطانية.
رقمنة الوثائق والصور والخرائط.
إنشاء مركز أرشيف رقمي حديث في عدن.
التعاون الأكاديمي مع الجامعات ومراكز الدراسات البريطانية.
ومن بين المبادرات الفردية التي بدأت العمل في هذا الاتجاه مشروع: aden1839.online�
الذي يجمع صورًا ووثائق وخرائط نادرة من تاريخ عدن.
كما يمكن للجامعات ومراكز الدراسات التعاون مع: nationalarchives.gov.uk�
وbl.uk�
للحصول على نسخ علمية موثقة من الوثائق المتعلقة بعدن والمحميات.
الأزمة الحقيقية
لكن المشكلة، كما أجمع الحاضرون في اللقاء، لا تكمن فقط في وجود الأرشيف خارج البلاد، بل في غياب مشروع محلي جاد لحفظ ما تبقى داخل عدن نفسها.
فحتى اليوم:
لا توجد مؤسسة أرشيف وطنية حديثة متخصصة بعدن
كثير من الصور والوثائق التاريخية بحوزة أفراد.
الصحف القديمة والتسجيلات مهددة بالتلف.
الذاكرة الشفوية لكبار السن تختفي تدريجيًا.
وفي ختام اللقاء، خرج المشاركون بجملة من التوصيات، أبرزها الدعوة إلى إعادة الاعتبار للمكتبة الوطنية في عدن، والعمل على إنقاذ ما تبقى من الوثائق والأرشيفات المحلية، باعتبارها جزءًا من ذاكرة المدينة وهويتها التاريخية.
وبين رفوف المكتبات البريطانية، وغبار الإدارات المهملة في الداخل، ما يزال تاريخ عدن ينتظر من يعيده إلى الحياة، قبل أن يتحول ما تبقى منه إلى مجرد حكايات شفوية تتناقلها الأجيال دون وثيقة تحفظها أو ذاكرة تصونها.