اخبار وتقارير

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 07:06 م بتوقيت عدن ،،،

4مايو/كتب:د.أمين العلياني



ليس في تاريخ الشعوب جريمةٌ أنكى من اغتصاب إرادة الشعب، ولا في سجل الخيانات خيانةٌ أبشع من تزوير تعريف الهوية وعدالة المطالب. فالأوطان لا تُسرق باحتلال الأرض وحدها، بل تُسرق حين يُسرق اسمها وهويتها ونضالها، ويُزوَّر معناها، ويُغتصب تعريفها من أفواه أصحابها ليُوضع في أفواه وكلاءَ عنهم لم يُوكِّلهم أحد.

واليوم، والجنوبُ بنضاله الطويل يقف على عتبة حوار مصيري يُنسج في غرف إقليمية، تنتصب أمامنا معركةٌ أخطر من معركة البندقية: معركة "التعريف". فمن الذي يملك حق تعريف قضية شعب الجنوب؟ ومن الذي يجرؤ على اختطاف هذا الحق من بين أضلع شعب قدّم فلذات أكباده ثمنًا لحرفٍ واحد من حروفها؟
فتعريف قضية شعب الجنوب... حقٌّ يُنتزع بالدم لا يُمنح بالحبر.
قضيته العادلة لم تُخلق من رفاهية، بل وُلدت من رحم المعاناة، ورضعت من ثدي الألم ومن جرح الاستلاب، وشبّت على وقع أقدام رفضٍ شعبي، واختتمت شهادة ميلادها بدماء الآلاف من الشهداء.
وقضية شعب الجنوب ليست نظريةً في كتاب، بل هي سيرة دمٍ كتبها شعبٌ بأكمله. وأي تعريف لعدالتها لا ينبع من هذه السيرة هو تعريف باطل، ولو وُقِّع في كل عواصم الأرض.

وعليه، فإن التعريف الأصيل الذي صاغته إرادة شعب الجنوب يقوم على أربعة أركانٍ راسخة كالجبال:
الركن الأول: عدالة قضية الشعب هي الاستقلال. فالعدالة في مفهوم شعب الجنوب ليست تعويضًا ماليًّا، ولا منصبًا وزاريًّا، ولا إصلاحًا لمسار اختلال يحتاج إلى إصلاح توازن لوحدة ماتت بالدم. العدالة هي استعادة دولة كانت قائمة، ذات سيادة، عضوًا في الأمم المتحدة، فانقضّ عليها عقدٌ نُقض من طرف واحد عام 1994 وتكرر في 2015. فالعدل هو عودة الحق إلى نصابه، لا المساومة عليه.
والركن الثاني: الهوية كغاية. فشعب الجنوب اليوم غايته ليست إقليمًا داخل دولة، ولا جهةً في جغرافيا، ولا مكونًا في معادلة. بل الغاية هي أن يتحرر الجنوب من فكرة اليمننة كأيديولوجيا قاتلة تُمارس بفكرة الهيمنة والولاء المقدس، ليصبح كيانًا سياسيًّا وتاريخيًّا وحضاريًّا مستقلًا، بهويته التي لا تقبل القسمة، وبجغرافيته المتماسكة من المهرة إلى باب المندب. من تنازل عن الاسم، تنازل عن المسمى.
والركن الثالث: جوهر المشكلة. فالجنوب قضيته سياسية وليست اجتماعية. ومن هنا لا يقبل الشعب أن يُزوَّر جوهر قضيته، لأنه يعلم ما يقال ويُخطط له من أن مشكلة الجنوب في بنيته الاجتماعية وانقساماته القبلية وتباينات مناطقه. وهذا هو التزوير الأكبر. فالجنوب لم ينهض لأن قبيلةً اختلفت مع قبيلة، بل نهض لأن وطنًا كاملًا سُلبت دولته. ولهذا، فالجنوب قضيته سياسية بامتياز: قضية شعب أُخرج من التاريخ، ويريد العودة إليه.
والركن الرابع: الشعب هو صاحب القرار الدستوري. وإن أي محاولة لاختزال قضيته السياسية في الفئات الاجتماعية أو المكونات السياسية هي اغتيال لمفهوم الشعب. الشعب كتلة واحدة حين يتعلق الأمر بالمصير. فكل نضاله الذي خرج به لم يكن بتفويض من مكون أو فئة أو قبيلة أو تيار، بل خرجت تلك الإرادة الشعبية بتفويض من الوجع، ومن الهوية الجنوبية المسلوبة، ومن غياب الدولة كنظام مدني لا يميز بين أحد على أحد. وعليه، فالشعب هو البرلمان الأعلى، وهو الجمعية التأسيسية، وهو صاحب الحق الحصري في التعريف والتقرير.

ولهذا، فالشعب اليوم يدرك آليات اغتصاب إرادته، وكيف تُسرق تلك الإرادة.
إن اغتصاب إرادة شعب الجنوب لا يتم بالدبابة، بل بالقلم. ولا يتم بالاحتلال، بل بالتعريف البديل. وهو يجري اليوم على قدم وساق عبر ثلاث مكائد كبرى:
المكيدة الأولى: تحويل قضيته من "قضية شعب" إلى "قضية نخب". وهنا يُستبدل هتاف المليون بصوت الفرد، وتُستبدل ساحة الرفض والنضال بقاعة فنادق، حتى يصبح المعيار هو "من نُدخله إلى القاعة"، لا "من خرج إلى الشارع" وضحّى في المتاريس. والنتيجة: تتحول قضية الشعب من وطن إلى شركة محاصصة، أسهمها موزعة على من يجيدون التفاوض، لا على من يجيدون الموت في سبيلها.
المكيدة الثانية: تحويل قضية شعب الجنوب من "قضية هوية" إلى "قضية سلطة". وهنا يُختزل الحلم الكبير في كرسي صغير، فيُقال للجنوبي النخبوي: ما دمت ستحكم، فلماذا تطالب بالاستقلال؟ ويُنسى أن الشعب لم يخرج ليحكم صنعاء، بل خرج ليستعيد عدن. خرج لأنه يرفض أن يُمحى، لا لأنه يطلب أن يُمكَّن. فالهوية قبل السلطة، والوجود قبل النفوذ.
والمكيدة الثالثة: تحويل قضية شعب الجنوب من "قضية دولة مدنية" إلى "قضية أيديولوجيا" تظل تحت وطأة اليمن. وهنا يُجر الجنوب إلى معارك الماضي: اشتراكي ضد إسلامي، وقومي ضد ليبرالي. والهدف هو تفخيخ الوعي، وتفتيت الإجماع. بينما قضية شعب الجنوب أسمى من كل الأيديولوجيات. فعدو الشعب ليس فكرًا، بل فوضى. ومطلبه ليس انتصار أيديولوجيا، بل انتصار القانون.

والبيان الفصل... لمن يكون القول؟ وإزاء هذا كله، فإن البيان الذي يجب أن يُتلى على رؤوس الأشهاد قبل أي حوار يُدار في الغرف الإقليمية، هو بيان من ثلاث مواد لا رابع لها:
المادة الأولى: إن تعريف قضية شعب الجنوب قد كُتب سلفًا. كُتب في ساحات الحرية، وكُتب على جدران المتاريس، وكُتب في عيون أمهات الشهداء. ومن أراد أن يقرأه، فليذهب إلى هناك. وأي تعريف لا يبدأ من هذه السطور هو تزوير في أوراق التاريخ الرسمية.
المادة الثانية: إن شعب الجنوب هو المالك الحصري للحق الدستوري. فهو الذي يملك حق التعريف، وحق التقرير، وحق التوقيع. وأما النخب والمكونات، فهي وكيل لا أصيل. والمحامي لا يملك حق تغيير دعوى موكله، فإن غيّرها سقطت وكالته، وبطلت مرافعته، وصار خصمًا لا حكمًا.
أما المادة الثالثة: فإن أي حوارات تكون أو تنتقص من "وثيقة الإرادة" هي والعدم سواء. فالشرعية لا تُستمد من توافق دولي، بل من دم وطني. وما لم يُوقّع عليه الشهيد بدمه، لا يحق للحي أن يوقّع عليه بحبره.

ومن هنا، فإن شعب الجنوب قد قال كلمته: العدالة هي الاستقلال، والغاية هي الجنوب العربي كهوية قطعت حبل اليمن لتعيش بمنأى عن دوامات الحروب والهيمنة المقدسة.
وإرادة شعب الجنوب تعرف طريقها. فمن عرّفها بنضاله هو من يملكها ويمثلها. ومن أراد اغتصاب تلك الإرادة، فليعلم أن الشعوب قد تسامح في حكم باسم الأرض حينًا، لكنها لا تسامح أبدًا فيمن سرق اسمها.