الخميس - 26 فبراير 2026 - الساعة 02:20 ص بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
حين تكتتب الشعوب في سجلات الخلود، لا تدون الحبر بمداد الأماني، بل بدموع الأحرار وعرق القادة الذين استحالوا في وجدانها رموزا لا تقبل الانكار، فليس التاريخ إلا صدى لتلك النفوس العظيمة التي أبت أن تمر على الدنيا مرور الأطياف الباهتة، بل نقشت في صخر الوجود ملامح بقائها، والحق أن القضايا الكبرى في كينونتها وجوهرها أسمى من الأفراد وأبقى من الزائلين، وهي شمس لا يطفئ سناها غياب كوكب أو أفول نجم، غير أن هذه الشمس نفسها لا تهتدي القوافل بنورها إلا إذا برز فيهم من يوجه الشعاع ويقود الخطى في تيه الصحارى، فالقضية الجنوبية التي تستند إلى إرث من المظلومية والقداسة التاريخية لا يمكن اختزالها في شخص أو حصرها في زمرة، إذ انها روح سارية في جسد الملايين، لكن إنكار دور الفرد القيادي في مسار الشعوب ضرب من جحود الحقائق التاريخية التي تؤكد أن الشعوب الحرة لا تفرط في رموزها، ولا تترك قادتها لقمة سائغة بين انياب المؤامرات أو غياهب الإقصاء، لأن التفريط في القائد الذي جسد الآمال هو تفريط في جزء من كرامة الشعب الذي ائتمنه، وما وجدنا في غابر الأزمان ولا في حاضرها ثورة قطعت الفيافي نحو النصر إلا وكان لها رأس يبصر وقلب يثبت، ولنا في نيلسون مانديلا آية، إذ لم يكن مجرد رجل يطالب بحق، بل صار هو الحق متجسدا في هيئة بشر، فالتف حوله المستضعفون حتى صاروا قوة لا تقهر، فكانت انتصارات جنوب أفريقيا مرتهنة بصلابته، وكذلك كان تشي جيفارا الذي لم تكن بندقيته إلا قلم يكتب حرية القارة بأكملها، فاقترن اسمه بالثورة حتى صار وجهه علامة للتمرد المقدس، ومن قبلهما كان عمر المختار في ليبيا الذي لم تنهض عزيمة شعبه إلا حين رأوا فيه الجبل الذي لا تزلزله الرياح، فكان سقوط حبل المشنقة حول عنقه هو الحبل الذي خنق الوجود الاستعماري لاحقا، ومن هنا ظهر القائد عيدروس الزبيدي في المشهد الجنوبي المعاصر، ليس كمجرد موظف في هيكل سياسي، بل كرمز ارتبطت به تطلعات الانعتاق من قيود استطالت لعقود، فقد جاء الرجل من أتون المعاناة ومن صلب المقاومة، مفوضا من شعبه الذي رأى فيه الصدق حين عز الصادقون، والوفاء حين كثر المتاجرون، ولقد حقق هذا القائد في سنوات معدودات ما كان يظنه البعض ضربا من الخيال، فوصل بالجنوب إلى عتبات التحرر الكامل، وبسط نفوذ الحق على الأرض، وأعلن استقلال الإرادة قبل أن تتكالب عليه قوى يمنية وإقليمية لم يروق لها أن ترى الجنوب سيدا في داره، فاستعانت بمن خان الملح والعهد من أبناء الجلدة الذين باعوا نصيبهم من الشرف بثمن بخس، فتعرض الزبيدي لمؤامرة الإقصاء والتغييب في محاولة بائسة لفك الارتباط بين القائد وقضيته، وبين الرمز وجماهيره، وبين السفينة وربانها، ومع التسليم بأن القضية الجنوبية لن تموت بموت شخص أو غيابه، ولن تضعف إذا حيل بين القائد وشعبه، إلا أن الوفاء للرجل الذي قاد الانتصارات المشهودة هو وفاء للثوابت ذاتها، فالغدر الذي طاله من القوى التي تخشى نهضة الجنوب إنما استهدف فيه مشروع الاستقلال الذي يمثله، وبناء على ذلك فإن التمسك بـعيدروس الزبيدي يظل ضرورة وطنية وأخلاقية ما دام القائد متمسكا بحلم استعادة الدولة، لا يتزحزح عنه ولا يساوم عليه، والالتفاف حوله في هذه المنعطفات الخطيرة هو السد المنيع الذي تتحطم عليه أمواج الدسائس، ذلك أن الشعوب التي تسلم قادتها في ساعات الشدة، إنما تسلم رقابها للذبح في ساعات الرخاء، والزعامة الحقيقية هي التي تتجلي في المحن، وقد ظل الرجل ثابتا كطود لا تهزه العواصف، فكان لزاما على كل حر في أرض الجنوب أن يدرك أن المؤامرة على الشخص هي في حقيقتها مؤامرة على القضية، وأن النصر الذي تعمد بالدماء والدموع لا يجوز أن يسرقه الواهمون بوعود كاذبة أو تحالفات غادرة، فالتاريخ لا يرحم الضعفاء الذين يتخلون عن سيوفهم في عز المعركة، و"الزبيدي" اليوم هو السيف الذي صقلته التجارب، والحق الذي لا يغيب، فما ضاعت قضية خلفها قائد صدوق وشعب وفي، وما استبيح حمى إلا حين افترق الراعي عن الرعية في مهب الريح.