الأحداث التي شهدتها العاصمة عدن في التاسع عشر من فبراير 2026 لم تكن مجرد فعالية احتجاجية عابرة أو تجمع جماهيري محدود، بل مثلت - وفق سياقها السياسي والشعبي- محطة مفصلية أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الصراع القائم في الجنوب، ومستقبل العملية السياسية، وحدود العلاقة بين الإرادة الشعبية والقوى الحاكمة على الأرض. فقد تحولت محيطات قصر معاشيق، الرمز السياسي والإداري الأبرز في عدن، إلى مسرح مفتوح لمواجهة سياسية ذات طابع شعبي جنوبي، حملت رسائل تتجاوز حدود المكان والزمان.
فمع إعلان الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بالعاصمة عدن برنامج التصعيد الشعبي، والدعوة إلى وقفتين احتجاجيتين صباحية ومسائية أمام بوابة معاشيق، بدأت ملامح يوم استثنائي تتشكل مبكراً. الدعوة لم تكن مجرد حشد احتجاجي، بل جاءت محملة بخطاب سياسي واضح يركز على رفض سياسات الإقصاء ورفض تواجد الحكومة، والتأكيد على حق تقرير المصير.
ومنذ الساعات الأولى للصباح، بدت المدينة وكأنها تستعيد ذاكرة الاحتجاجات الكبرى التي عرفتها في محطات تاريخية سابقة، حيث تدفقت الحشود من مختلف مديريات العاصمة ومناطق الجنوب، في مشهد أعاد إلى الأذهان قدرة الشارع الجنوبي على التحول إلى فاعل سياسي مباشر عندما يشعر بأن خياراته السياسية مهددة.
-دلالات دعوة التصعيد
جاءت الدعوة للاحتجاج في سياق سياسي متوتر أصلاً، حيث تصاعدت خلال الأسابيع السابقة حالة الاحتقان الشعبي نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، إلى جانب تصاعد الخلافات السياسية حول إدارة العاصمة عدن وموقعها في المعادلة السياسية اليمنية.
البيان الصادر عن القيادة المحلية للمجلس الانتقالي لم يكتفِ بالدعوة للحشد، بل حمل لغة تعبئة سياسية واضحة، خاطب فيها أحرار وحرائر العاصمة عدن والجنوب، في محاولة لإضفاء طابع وطني جامع على الفعالية. كما حدد البرنامج توقيتين مختلفين للاحتجاج، صباحاً ومساءً، وهو ما يعكس رغبة في إبقاء الضغط الشعبي مستمراً طوال اليوم، وإظهار حجم الزخم الجماهيري.
هذا الأسلوب في التصعيد يعكس تحول الاحتجاج من رد فعل آني إلى استراتيجية ضغط سياسي، تهدف إلى إيصال رسالة مزدوجة: داخلياً للقوى السياسية، وخارجياً للمجتمع الدولي والجهات الراعية للعملية السياسية.
-زحف الحشود الشارع كفاعل سياسي
مع اقتراب موعد الوقفة الصباحية، بدأت الحشود تتوافد نحو مديرية صيرة، وتحديداً البوابة الشرقية لقصر معاشيق. المشهد الميداني عكس مستوى عالياً من التعبئة الشعبية، حيث شارك رجال ونساء وشباب في التظاهرة التي أُطلق عليها وقفة الغضب الجنوبي.
تدفّق المتظاهرين لم يكن متقطعاً، بل استمر لساعات، ما منح الاحتجاج طابعاً تصاعدياً. الهتافات التي رُددت ركزت على رفض الحكومة، والتنديد بما اعتبره المشاركون انتهاكات واستفزازات سياسية، إلى جانب تجديد التفويض السياسي لقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي.
اللافت في المشهد كان الحضور النسوي الكبير، إذ شاركت حرائر عدن بصورة فاعلة، في دلالة اجتماعية وسياسية مهمة تعكس اتساع قاعدة المشاركة الشعبية، وتحول الاحتجاج إلى ظاهرة مجتمعية وليست نخبوية.
-لحظة التحول من الاحتجاج إلى المواجهة
ظل الاحتجاج في بدايته سلمياً وفق روايات المشاركين، لكن المشهد تغير جذرياً مع تصاعد التوتر أمام بوابة القصر. إذ أفادت مصادر ميدانية بإطلاق نار كثيف باستخدام أسلحة متوسطة باتجاه المتظاهرين من قبل حراسة معاشيق، ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى.
هذه اللحظة شكلت نقطة التحول الأخطر في مجريات اليوم، حيث انتقلت الأحداث من إطار الاحتجاج السياسي إلى مواجهة أمنية ذات تداعيات إنسانية وقانونية. وعلى الرغم من إطلاق النار، استمرت الحشود في التواجد بالمكان، في مشهد وصفه مراقبون بأنه يعكس حالة تحدٍ وصمود جماعي.
الصور الأولية للجرحى، والهتافات التي استمرت رغم إطلاق النار، أسهمت في رفع مستوى التوتر الشعبي، وأعطت الحدث بعداً رمزياً يتجاوز نتائجه المباشرة.
-سقوط الضحايا
تأكيد سقوط شهيد وأكثر من عشرين جريحاً نقل الأحداث إلى مستوى أكثر حساسية. إذ لم يعد الأمر يتعلق فقط باحتجاج سياسي، بل بات مرتبطاً بملف حقوق الإنسان واستخدام القوة ضد متظاهرين.
استشهاد مواطن جنوبي من المشاركين بالتظاهرة، بحسب ما تم تداوله، منح الحدث بعداً عاطفياً قوياً، وأعاد إنتاج خطاب الشهادة المرتبط تاريخياً بالحراك الجنوبي، ما أسهم في تعزيز حالة التعبئة الشعبية. وجود الجرحى في مستشفى عبود بعدن، ورصد إصابات ناتجة عن الرصاص، عزز الرواية التي تتحدث عن استخدام القوة المفرطة، وهو ما انعكس لاحقاً في بيانات الإدانة السياسية.
-بيان الإدانة نقل المعركة إلى الساحة الدولية
البيان الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي مثّل محاولة واضحة لنقل الحدث من نطاقه المحلي إلى الإطار الدولي. فقد وصف ما جرى بأنه قمع وانتهاك صارخ للمواثيق الدولية، وطالب بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، كما وجه نداءً مباشراً إلى الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان.
هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية مهمة، إذ تشير إلى محاولة تدويل قضية الجنوب وإدخالها ضمن مسار الضغط الحقوقي والدبلوماسي، بدلاً من بقائها صراعاً داخلياً فقط.
-بين حق التظاهر واستخدام القوة
من منظور قانوني، يطرح ما حدث عدة إشكاليات، أبرزها حدود استخدام القوة في مواجهة الاحتجاجات السلمية. فالمواثيق الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تؤكد حق المواطنين في التجمع السلمي، وتفرض قيوداً صارمة على استخدام السلاح.
إذا ثبت أن المتظاهرين كانوا غير مسلحين، فإن استخدام الرصاص الحي قد يندرج ضمن الاستخدام غير المتناسب للقوة، وهو ما قد يفتح الباب لمساءلات قانونية وسياسية.
-ذاكرة عدن الاحتجاجية
أعاد كثير من المشاركين مقارنة ما جرى بأحداث تاريخية عاشتها العاصمة عدن، سواء خلال فترة الاستعمار البريطاني أو خلال الاحتجاجات ضد السلطة الشمالية بعد 1994. هذه المقارنات لم تكن مجرد استدعاء للماضي، بل محاولة لفهم الحاضر عبر الذاكرة الجماعية.
ففي الروايات الشعبية، يُنظر إلى طريقة التعامل مع المظاهرات كمؤشر على طبيعة السلطة القائمة، وهو ما جعل أحداث معاشيق تُقرأ ضمن سياق تاريخي طويل من الصراع السياسي في المدينة.
-ماذا بعد معاشيق؟
الأحداث كشفت عدة حقائق سياسية: استمرار قدرة الشارع الجنوبي على الحشد والتأثير، وتصاعد الفجوة بين السلطة التنفيذية والقواعد الشعبية، وانتقال الصراع من مستوى سياسي تفاوضي إلى مستوى احتجاجي ميداني، واحتمال دخول الأزمة مرحلة تصعيد جديدة إذا لم تُفتح قنوات سياسية للحوار.
-التأثيرات المستقبلية المحتملة
يرى مراقبون أنه من المرجح أن تترك أحداث معاشيق آثاراً بعيدة المدى، أبرزها: تعزيز خطاب الاستقلال داخل الشارع الجنوبي، وزيادة الضغوط الدولية لمراقبة الوضع الحقوقي في عدن، وإعادة رسم موازين القوى السياسية داخل الجنوب، واحتمالية تصاعد الاحتجاجات إذا لم تُعالج أسبابها.
-عدن بين الاحتجاج والمصير السياسي
ما جرى أمام بوابة معاشيق لم يكن مجرد يوم احتجاجي انتهى بسقوط ضحايا، بل لحظة سياسية كثيفة كشفت عمق الأزمة وتعقيداتها. فقد أظهرت الأحداث أن عدن ما تزال مدينة قادرة على إنتاج الفعل السياسي من الشارع الجنوبي، وأن الصراع حول مستقبل الجنوب لم يعد محصوراً في غرف المفاوضات، بل انتقل إلى الساحات العامة.
وبين الهتافات والرصاص، وبين البيانات السياسية ونداءات التحقيق الدولي، تتشكل مرحلة جديدة من المشهد الجنوبي، عنوانها الأساسي أن معركة الإرادة السياسية لم تُحسم بعد، وأن ما حدث قد يكون بداية فصل جديد في تاريخ الصراع على هوية ومستقبل الجنوب.