اخبار وتقارير

الإثنين - 16 فبراير 2026 - الساعة 09:04 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ تقرير/ محمد الزبيري


في مشهد جنوبي تاريخي تحولت فيه مدينة الضالع إلى عاصمة مؤقتة للإرادة الشعبية الجنوبية، احتشد مئات الآلاف من المواطنين الجنوبيين من كل حدب وصوب، قاطعين مئات الكيلومترات تحت شمس الجنوب الحارقة صوب محافظة الضالع ليؤكدوا للعالم أجمع أن قضية الجنوب ليست مجرد ملف تفاوضي يُطوى أو يُفتح حسب أهواء الدول الإقليمية، بل هي قضية وجود ومصير لشعب أبى إلا أن يكون حراً سيداً على أرضه.

لقد كانت "مليونية الثبات والتحدي" التي شهدتها محافظة الضالع اليوم، تتويجاً لسلسلة من النضالات المتواصلة، ورسالة واضحة لا تحتمل التأويل موجهة إلى كل من يحاول العبث بمقدسات الجنوب أو فرض واقع مزور عليه باسم الشرعية الوهمية أو الشراكة الزائفة.

لم تكن الحشود التي زحفت نحو ساحة الاعتصام المركزية في الضالع مجرد أرقام إحصائية، بل كانت تجسيداً حياً لوحدة الشعب الجنوبي من المهرة إلى باب المندب، ومن ميون إلى شبوة وحضرموت وعدن ولحج وأبين.
جاءت هذه الملايين لتجدد العهد والولاء للقائد الوطني الرئيس عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، ولتؤكد تفويضها المطلق للمجلس كممثل شرعي وحيد للشعب الجنوبي في مرحلة استعادة الدولة.

وفي خضم تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية، وتحديداً المحاولات السعودية المكثفة لإخضاع الجنوب وإجباره على قبول بقاء الاحتلال اليمني تحت مسميات براقة كـ "الشراكة" أو "الوحدة"، وقف شعب الجنوب صفاً واحداً ليقول كلمته الفصل: لا للوصاية، لا للإملاءات، ولا للتنازل عن شبر واحد من الأرض أو لحظة من السيادة.

إن التقرير التالي ينقل بتفصيل دقيق وشامل وقائع هذا اليوم التاريخي، محللاً الأبعاد السياسية والاجتماعية والعسكرية لهذه المليونية، ومستعرضاً بنود البيان الختامي الذي هز أركان السياسات التقليدية في المنطقة، مؤكداً أن الجنوب دخل مرحلة جديدة من النضال حيث تكون الإرادة الشعبية هي المرجعية العليا، وأن أي محاولة لفرض حلول من الخارج مصيرها الفشل الذريع أمام جدار الصمود الجنوبي الصلب.

*زحف الملايين: ملحمة الوحدة من المهرة إلى باب المندب*

بدأت ملامح الحدث التاريخي تتشكل مع فجر اليوم، حيث تحولت الطرق الرئيسية المؤدية إلى محافظة الضالع إلى أنهار بشرية متدفقة قدمت من كل محافظات الجنوب.

لم يكن الأمر مجرد تجمهر محلي، بل كان هجرة جماعية واعية وهادفة، حيث انطلقت القوافل من أقصى الشرق في محافظة المهرة، مروراً بحضرموت وشبوة وأبين ولحج وعدن، وصولاً إلى قلب الضالع. شهدت الطرق الرئيسية ازدحاماً غير مسبوق بالسيارات والحافلات والشاحنات المحملة بالأعلام الجنوبية الزرقاء والحمراء والبيضاء، وسط هتافات مدوية تعانق السماء وتعلن عن رفض القسمة والتجزئة الداخلية للجنوب.

ما ميز هذا الزحف الجماهيري هو التنوع الديموغرافي والجغرافي للمشاركين؛ فقد حملت الرايات أطفالاً وشيوخاً، رجالاً ونساءً، من جميع القبائل والمكونات الاجتماعية في الجنوب.
كان المشهد مؤثراً بشكل عميق حينما رأيت العائلات بأكملها تنزل من مركباتها بعد رحلة شاقة قطعت فيها مئات الكيلومترات، لتسير مشياً على الأقدام في اللحظات الأخيرة قبل دخول الساحة، وكأنها طقوس مقدسة لتأكيد الانتماء. النساء الجنوبيات كنّ حاضرات بقوة، يرتدين أثوابهن التقليدية الملونة ويحملن اللافتات التي تندد بالعدوان السعودي وتطالب باستعادة الدولة، مما يعكس دور المرأة الجنوبية كشريك أساسي في صناعة القرار وليس مجرد متفرجة.

الأرقام التي تم رصدها ميدانياً تشير إلى تجاوز عدد المشاركين حاجز المليون مشارك، وهو رقم ضخم بالنظر إلى الكثافة السكانية للجنوب والصعوبات اللوجستية والأمنية التي واجهت القادمين من المحافظات البعيدة.

اضطر المنظمون إلى توسيع نطاق ساحة الاعتصام عدة مرات لاستيعاب الأعداد المتزايدة التي استمرت في التدفق حتى ساعات الظهيرة،حيث عجز الشارع العام عن استيعاب الحشود الجماهيرية الضخمة واضطر الآلاف إلى صعود القمم والمباني المحيطة بالشارع.

هذا الحشد الهائل أرسل رسالة استراتيجية مفادها أن المجلس الانتقالي الجنوبي يتمتع بقاعدة شعبية عريضة ومتجذرة، وأن أي حديث عن ضعف نفوذه أو تآكل شعبيته هو مجرد دعاية مغرضة تهدف إلى تمييع القضية الجنوبية.

كما أن التنسيق بين لجان التنظيم في المحافظات المختلفة كان مثالاً يحتذى به في الانضباط والفعالية، حيث تم تنظيم مواكب ضخمة دخلت المدينة بنظام دقيق، مما عكس نضجاً سياسياً وتنظيمياً عالي المستوى لدى الحركة الوطنية الجنوبية في جو يسوده روح الأخوة والتعاون، حيث تبادل المشاركون الطعام والماء، وغنت الحناجر بأغاني النضال القديم والجديد، مؤكدة أن الجنوب موحد في هدفه وغايته رغم تباعد المسافات الجغرافية بين محافظاته.


*تفويض الرئيس الزبيدي والمجلس الانتقالي


في ذروة الفعالية، ومع اكتمال تجمع الملايين في الساحة الرئيسية، تصاعدت الهتافات باسم الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، لتتحول الساحة إلى بحر من الأصوات التي تردد: "بالروح بالدم نفديك يا جنوب"، و"يا جنوب اتحد اتحد.. الزبيدي قائد واحد".

كانت هذه اللحظة تتويجاً لمسيرة طويلة من الثقة المتبادلة بين القيادة السياسية والقاعدة الشعبية، حيث جدد الشعب الجنوبي تفويضه للرئيس الزُبيدي ليكون الصوت الناطق باسمهم والدرع الواقي لمصالحهم في المحافل الدولية والإقليمية.

إن التأييد الجارف للرئيس الزُبيدي في هذه المليونية لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لمواقفه الثابتة والمتصلبة في الدفاع عن الحقوق الجنوبية ورفضه الخضوع للضغوط الخارجية.

لقد رأى فيه الشعب الجنوبي القائد الذي لا يهادن في المبادئ، والذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، بما في ذلك المصالح الشخصية أو الضغوط الدبلوماسية.

الخطابات التي ألقيت خلال الفعالية أكدت مراراً وتكراراً أن الرئيس الزُبيدي هو الضامن الوحيد لوحدة الصف الجنوبي واستمرار مسيرة النضال حتى تحقيق الهدف النهائي المتمثل في استعادة الدولة المستقلة ذات السيادة.

المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه الحامل السياسي الشرعي للقضية، خرج من هذا الاختبار الشعبي أكثر قوة وصلابة. فقد أثبتت المليونية أن المجلس ليس مجرد كيان سياسي نخبوي، بل هو حركة شعبية واسعة تمتلك شرعية الشارع التي لا يمكن منافستها أو تزويرها.
المشاركون رفعوا صور أعضاء الهيئة الرئاسية وأعضاء القيادة المحلية في جميع المحافظات، مؤكدين أن الهيكل القيادي للمجلس يمثل نسيجاً متكاملاً من أبناء الجنوب الذين اختارهم الشعب لإدارة دفة السفينة في هذه المرحلة الحرجة.

الرسالة الموجهة من خلال هذا التجديد للبيعة كانت واضحة لكل المتربصين بالجنوب: إن أي محاولة لاستبدال القيادة الجنوبية أو فرض قيادات بديلة موالية لأجندات خارجية هي محاولة محكوم عليها بالفشل فالشعب الجنوبي يعرف قادته جيداً، وقد اختارهم بإرادته الحرة، ولن يقبل بأي وصاية عليه في اختيار ممثليه.

يمثل الرئيس الزُبيدي بالنسبة لشعب الجنوب رمزاً للثبات والصمود، وملاذاً آمناً لكل من يخشى على مستقبل الجنوب من مخاطر الذوبان في مشاريع إقليمية لا تخدم مصالحه،وهذا سر الشعبية الجارفة للرئيس الزبيدي لدى شعب الجنوب.



*رفض الإملاءات



لم تكن مليونية الضالع مجرد احتفال بالولاء الداخلي، بل كانت أيضاً منصة سياسية عالية المستوى لإطلاق صرخة الرفض المدوية ضد محاولات المملكة العربية السعودية فرض إملاءاتها على الشعب الجنوبي.

حملت اللافتات والهتافات عبارات صريحة تدين ما وصفته المتظاهرون بـ "العدوان السعودي" و"الهيمنة الخشنة" على القرار الجنوبي السيادي.

إن الغضب الشعبي تجاه التدخلات السعودية بلغ مداه في هذا اليوم، خاصة بعد التقارير التي تحدثت عن ضغوط مارستها الرياض لإجبار الجنوب على القبول بترتيبات سياسية تكرس بقاء الاحتلال اليمني وتذيب الهوية الجنوبية.

أكد بيان المليونية بوضوح تام أن شعب الجنوب لن يسمح لأي دولة، مهما كانت قوتها أو نفوذها الإقليمي، أن تتحكم بشؤونه الداخلية أو أن تملي عليه كيفية إدارة مصيره ووصف المتظاهرون المحاولات السعودية بأنها "استعمار جديد" بأدوات ناعمة، يهدف إلى تحويل الجنوب إلى مجرد ورقة ضغط في صراعات إقليمية أوسع، دون اكتراث بالتطلعات المشروعة لشعب عانى لعقود من التهميش والقمع.
وشدد البيان الختامي للمليونية على أن العلاقة مع الأشقاء في دول الخليج يجب أن تقوم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وليس على أساس التبعية والإذعان.

من النقاط البارزة في خطاب الرفض كان التركيز على ما سمته الجماهير "قرارات الرياض الهزلية"، في إشارة إلى الاتفاقيات أو المبادرات التي يتم التوصل إليها تحت ضغط الظروف الاستثنائية أو التهديدات العسكرية.
أعلن المتظاهرون أن أي اتفاق يتم توقيعه في أجواء من الإكراه أو بدون تفويض شعبي حقيقي من أبناء الجنوب هو باطل ولا يلزم الشعب الجنوبي بشيء.
إن الشرعية الحقيقية، كما أكد الحشد، تنبع من إرادة الشعب الثابت على الأرض وليس من قاعات الاجتماعات المغلقة في العواصم الإقليمية.

كما تطرق البيان إلى الدور السلبي الذي تلعبه بعض الأطراف السعودية في دعم فصائل معينة داخل الجنوب بهدف شق الصف الوطني الجنوبي وإضعاف موقف المجلس الانتقالي.

أدان الحشد بشدة أي دعم مالي أو عسكري يقدم لأي جهة تعمل ضد مصالح الجنوب أو تحاول زعزعة استقرار المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الرسالة كانت واضحة: إن الجنوب ليس سوقاً للنخاسة السياسية، وشعبه ليس سلعة تُباع وتشترى وفق المعادلات الجيوسياسية للدول الكبرى.


*سقوط الأكذوبة


في واحدة من أقوى الفقرات التي تناولها بيان مليونية الضالع، تم الإعلان رسمياً وبصوت عالٍ عن سقوط "أكذوبة حل المجلس الانتقالي الجنوبي".
أكد البيان أن فكرة حل المجلس هي وهم وسراب لا يستند إلى أي واقع ميداني أو سياسي، فالمجلس نشأ من رحم المعاناة الشعبية وتطور ليصبح المظلة الجامعة لكل القوى الوطنية الجنوبية التي تؤمن بحق تقرير المصير وإن محاولة حل المجلس تشبه محاولة إيقاف المد البحري بيدي الإنسان؛ فهي مستحيلة التنفيذ لأن جذور المجلس تمتد عميقاً في وعي ووجدان كل جنوبي حر. لقد تحول المجلس من كيان سياسي إلى حالة وطنية شاملة، يصعب فصلها عن هوية الشعب نفسه.

وشدد المتظاهرون على أن أي حديث عن حل المجلس هو في الحقيقة اعتراف ضمني بفشل المشاريع البديلة التي حاولت الدول الإقليمية طرحها كبديل عن المشروع الوطني الجنوبي.

تأتي القوة التي يمتلكها المجلس الانتقالي الجنوبي من تماسك قواعده الشعبية ومن شرعيته التاريخية في تمثيل قضيتي الاستقلال والسيادة. لذلك، فإن أي قرار بتصفيته وإنهاء كيانه ليس سوى إعلان عن فشل الذراع الإقليمية في فهم طبيعة المجتمع الجنوبي وتعقيدات قضيته.

علاوة على ذلك، أشار البيان إلى أن التمسك بالمجلس الانتقالي هو تمسك بالمكاسب التي حققها الجنوب خلال السنوات الماضية، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو الإعلامي مؤكداً أن تفكيك المجلس يعني العودة إلى نقطة الصفر، وإعادة إنتاج سيناريوهات الفوضى والتشتت التي عاشها الجنوب في فترات سابقة.
لذا، فإن الحفاظ على المجلس وتطويره وتعزيز دوره هو الخيار الاستراتيجي الوحيد لضمان استمرار المسيرة نحو الهدف المنشود.


*السيادة المطلقة


انتقلت موجة الحماس في المليونية إلى مستوى آخر عندما تم التطرق إلى الجانب الدستوري والقانوني للمسيرة الوطنية. فقد أعلن بيان الضالع عن التمسك الكامل بالبيان السياسي والإعلان الدستوري الذي أقره المجلس الانتقالي الجنوبي، معتبراً إياه الإطار القانوني الناظم للدولة الجنوبية المستقبلية. ولم يكتفِ البيان بالتأكيد النظري على هذه الوثائق، بل دعا صراحة إلى "الشروع في تهيئة الظروف لفرضها على الواقع بكافة الوسائل والأدوات المتاحة".

هذه العبارة حملت في طياتها تحولاً نوعياً في الخطاب السياسي الجنوبي، من مرحلة المطالبة والحوار إلى مرحلة الفعل والتنفيذ.
الدعوة لفرض الإعلان الدستوري على الواقع تعني أن الشعب الجنوبي لم يعد ينتظر الإذن من أحد لبناء دولته، وأنه مستعد لاتخاذ الخطوات العملية اللازمة لترجمة تطلعاته إلى مؤسسات وقوانين وأنظمة تحكم حياته في خطوة جسورة تضع المجتمع الدولي والإقليمي أمام أمر واقع جديد، مفاده أن عملية بناء الدولة الجنوبية لا رجعة عنها مهما حاولت بعض القوى الإقليمية والدولية استهداف القضية الجنوبية وتمييعها بالحلول الترقيعية.

أكد بيان المليونية الختامي أن الدستور الجنوبي المرتقب لن يكون نسخة مستنسخة عن دساتير دول أخرى، بل سيكون نتاجاً خالصاً للبيئة الجنوبية وثقافتها وتاريخها، معبراً عن تطلعات شعب يريد أن يعيش حراً كريماً. وشمل الحديث عن ضرورة بناء مؤسسات دولة عصرية تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة وأن الرؤية الجنوبية للدولة المستقبلية هي رؤية ديمقراطية حديثة ترفض الاستبداد أو الهيمنة الطائفية أو الجهوية.

كما شدد البيان على أن سيادة الدولة الجنوبية ستكون كاملة وغير قابلة للتجزئة، تشمل البر والبحر والجو، وأن الجنوب لن يقبل بأي شكل من أشكال الوصاية الخارجية على موارده أو قراراته السيادية وأن النفط والغاز والثروات البحرية والبرية هي ملك حصري للشعب الجنوبي، ولن يتم التفريط فيها أو مشاركتها مع أي طرف خارجي دون موافقة شعبية صريحة.
يأتي الموقف الحازم رداً على المحاولات المستمرة لبعض الأطراف الإقليمية للسيطرة على الموارد الجنوبية تحت ذرائع مختلفة.


* القوات الجنوبية الجبهة الصامدة


لم تغفل مليونية الضالع عن الدور البطولي الذي تلعبه القوات المسلحة والأمنية الجنوبية في حماية المكتسبات الوطنية والدفاع عن حدود الوطن. فقد خصص البيان فقرات مؤثرة لتحية "الصناديد الأبطال" من أفراد القوات الذين يرابطون في الجبهات والمتاريس، يذودون عن حياض الوطن بدمائهم الزكية.
وأكد الحشد أن هذه القوات هي ملك للشعب وليست ملكاً لأفراد أو أحزاب، وأنها تشكل العمود الفقري للدولة الجنوبية الناشئة.

وفي سياق متصل، وجه البيان تحذيراً شديد اللهجة إلى أي جهة تحاول المساس بهذه القوات أو التطويع لها أو استخدامها لأغراض خارجة عن الإطار الوطني. واعتبر البيان أن أي هجوم على القوات الجنوبية، سواء كان عسكرياً أو سياسياً، هو تهديد مباشر لأمن المنطقة بأسرها وللملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، نظراً للموقع الاستراتيجي الحساس الذي يشغله الجنوب وأن ن استقرار الجنوب وأمن قواته هو ضمانة لاستقرار الممرات المائية العالمية، وأي عبث بهذا الأمن ستتحمل تبعاته الدول الإقليمية والدولية.

كما أدان البيان بشدة ما وصفه بـ "العدوان السعودي" على المواقع والقوات الجنوبية في محافظات مثل حضرموت والضالع، واصفاً إياه بالعمل الغادر الذي يضرب أواصر الأخوة ويقوض جهود الاستقرار.
وطالب الحشد بوقف فوري لهذه الاعتداءات وسحب أي قوات أجنبية تتواجد على الأراضي الجنوبية دون دعوة رسمية من السلطة الشرعية المتمثلة في المجلس الانتقالي. وأكدت الجماهير أن القوات الجنوبية قادرة على صد أي عدوان وحماية أراضيها بنفسها، ولا تحتاج إلى "حماية" من دول تتآمر عليها في الخفاء.

الرسالة العسكرية من المليونية كانت واضحة: إن الجيش الجنوبي هو الجيش الوطني الشرعي، وأي تشكيلات عسكرية أخرى تعمل خارج هذا الإطار تعتبر ميليشيات غير قانونية لا تمثل سوى نفسها أو أجندات أطراف خارجية.
إن توحيد الجهود العسكرية تحت قيادة موحدة ورؤية وطنية واحدة هو شرط أساسي لنجاح مشروع استعادة الدولة، ولن يقبل الشعب الجنوبي بتعدد الولاءات العسكرية على أرض الجنوب.


*فضح الشراكة الزائفة


خصصت جزءاً كبيراً من خطابات وهتافات المليونية لكشف المستور حول ما يسمى بـ "الشراكة" التي تروج لها بعض الأطراف الإقليمية والدولية.
فقد أعلن المتظاهرون رفضهم القاطع لفرض أي ترتيبات سياسية تحت هذا المسمى، معتبرين أنها "شراكة زائفة" تهدف في جوهرها إلى إدامة الاحتلال اليمني للجنوب وتكريس واقع التبعية.

أكد البيان أن ما تم الاتفاق عليه في الرياض أو غيرها من العواصم في ظروف غير طبيعية، وتحت ضغط التهديدات والابتزاز، هو قرارات "هزلية" لا تملك أي قيمة قانونية أو أخلاقية، وبالتالي فهي غير ملزمة لشعب الجنوب.

وشدد البيان الختامي لمليونية الثبات والتحدي على أن مفهوم الشراكة الحقيقي يقوم على الندّية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بينما ما يُعرض على الجنوب اليوم هو علاقة تابع ومتبوع، حيث يُطلب من الجنوب التنازل عن سيادته وهويته مقابل وعود زائفة بالتنمية أو الحماية.

الشعب الجنوبي، بخبرته المريرة في التعامل مع مشاريع الوحدة الفاشلة، أصبح لديه مناعة عالية ضد هذه الشعارات البراقة التي تخفي في باطنها نوايا خبيثة فقد تعلم الجنوب أن الشراكة التي لا تحترم خصوصيته وتطلعاته في الاستقلال هي في الحقيقة شكل من أشكال الاستعمار الجديد.

كما ركز البيان على نقد الآليات التي يتم من خلالها فرض هذه القرارات، مشيراً إلى استخدام أساليب الابتزاز الاقتصادي والضغط العسكري والإعلامي لإركاع الإرادة الجنوبية.
وأعلن الحشد أن الشعب الجنوبي لن ينخدع بالصيغ الملتوية أو الحلول الترقيعية التي لا تلامس جوهر المشكلة، وهي حق الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته المستقلة وأن أي حوار أو تفاوض لا يضع استعادة الدولة كخيار أساسي ونتيجة حتمية هو حوار عقيم لا طائل منه.

وأضاف البيان أن الوقت قد حان لوضع حد لهذه المسرحيات السياسية التي تستهدف تضليل الرأي العام الدولي وتصوير الجنوب كشعب غير قادر على إدارة شؤون نفسه.

الجنوب أثبت عبر سنوات النضال أنه يمتلك الكفاءة والقدرة على بناء دولة ناجحة ومزدهرة، وأنه لا يحتاج إلى "أوصياء" يديرون شؤونه نيابة عنه ورفض الشراكة الزائفة هو تأكيد على الثقة بالنفس وعلى الإيمان المطلق بقدرة الشعب الجنوبي على صنع مستقبله بيديه.


* وحدة الصف د من المهرة إلى الضالع



اختتمت فعاليات مليونية الضالع بتأكيد قوي على وحدة الصف الداخلي والتضامن المطلق بين جميع محافظات الجنوب.
فقد أعلن البيان أن شعب الجنوب هو "جسد واحد"، وأن الألم في أي جزء منه هو ألم للجميع، والنصر في أي مكان هو نصر للكل. وفي هذا الإطار، عبر الحشد عن تضامنه الكامل مع أبناء محافظتي حضرموت وشبوة، مندداً بجرائم القمع والاعتقالات التعسفية وتكميم الأفواه التي تعرض لها الناشطون والمواطنون في تلك المحافظات على يد قوى عسكرية يمنية ومحلية مدعومة من السعودية.

أكد المتظاهرون أن التنوع الجغرافي والثقافي بين محافظات الجنوب هو مصدر قوة وليس ضعفاً، وأن الاختلافات المحلية يجب أن تذوب في بوتقة الهدف الوطني الجامع وهو استعادة الدولة. ودعا البيان إلى نبذ الفرقة أو النزاع القبلي أو الجهوي، مؤكداً أن العدو الحقيقي هو كل من يعمل ضد مشروع الاستقلال الجنوبي، بغض النظر عن انتمائه الجغرافي أو غطاءه السياسي مشدداً على الوحدة الوطنية باعتبارها السلاح الأقوى في مواجهة مخططات التقسيم والتفتيت التي تحاك ضد الجنوب.

كما شدد البيان على أن الحوار الحقيقي بين أبناء الجنوب لا يمكن أن يثمر إلا في أجواء من الحرية والاستقلالية الكاملة، بعيداً عن ظلال السلاح وتحليق الطائرات المسيرة، وبعيداً عن أجواء التهديد والوعيد والإملاءات الخارجية.
وأن حوار يجري تحت الضغط هو حوار مشوه لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيدات والمشاكل. الحوار المنشود هو ذلك الذي يرتكز على أساس الحرية والعدل والاعتراف المطلق بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره، دون شروط مسبقة أو خطوط حمراء مفروضة من الخارج.

وأكدت الجماهير في الضالع أن الدفاع عن البقاء والثوابت الوطنية هو مسألة حتمية لا تقبل المساومة أو التأجيل. إن الجنوب قد دخل مرحلة اللاعودة، حيث أصبحت استعادة الدولة خياراً استراتيجياً لا بديل عنه.
ومهما اشتدت العواصف وتراكمت التحديات، فإن إرادة الشعب الجنوبي، المتمثلة في هذه الملايين التي زحفت اليوم، ستبقى صخرة صلبة تتحطم عليها كل محاولات الإخضاع والهيمنة.
كان حشد الضالع اليوم تاريخياً سجله التاريخ بمداد من ذهب، شاهداً على صمود شعب أبى إلا أن يكون حراً، ومعلناً بداية عهد جديد من النضال المسلح بالسلمية والحزم معاً لتحقيق الحلم الجنوبي المنشود.

إن مليونية "الثبات والصمود والتحدي" في الضالع ليست مجرد حدث عابر، بل هي نقطة تحول فارقة في مسار القضية الجنوبية، أعادت تعريف موازين القوى وأكدت أن الكلمة الفصل هي دائماً وأبداً للشعب صاحب الأرض والقرار.
ومن هنا، فإن الرسالة موجهة للعالم أجمع: الجنوب قادم لا محالة، ودولته ستقوم بإرادة أبنائه، رغم أنوف المتآمرين والمستبدين.