اخبار وتقارير

الأربعاء - 11 فبراير 2026 - الساعة 11:42 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ تقرير/ مريم بارحمة


مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، يوم الأربعاء 11 فبرير 2026م، لم تكن تتوقع أن تتحول ذكرى يوم الشهيد الجنوبي التاسعة والخمسين إلى محطة دامية تعيد تشكيل المشهد السياسي في المحافظة. الفعالية التي كان يُفترض أن تكون مناسبة رمزية لإحياء ذكرى الشهداء تحولت إلى مواجهة انتهت بسقوط ستة شهداء وأكثر من ثلاثين جريحًا برصاص الأجهزة الأمنية والعسكرية.
الأحداث لم تتوقف عند حدود الخسائر البشرية، بل فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة العلاقة بين السلطة المحلية والقوى السياسية، وحدود استخدام القوة، ومفهوم “هيبة الدولة”، وشرعية الحق في التظاهر السلمي، فضلًا عن التداعيات السياسية المحتملة داخل شبوة وخارجها.



-إدانة صريحة وتحميل كامل للمسؤولية

استهلت القيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة شبوة بيانها بتقديم التعازي الحارة لأسر الشهداء الذين سقطوا برصاص الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتمنياتها بالشفاء العاجل للجرحى الذين أصيبوا خلال المسيرة السلمية لإحياء الذكرى الـ59 ليوم الشهيد الجنوبي في مدينة عتق.
البيان لم يكتفِ بالتعزية، بل انتقل مباشرة إلى الإدانة الشديدة لما وصفه باستخدام الرصاص الحي ضد متظاهرين سلميين، مؤكدًا أن ذلك تم "بتوجيهات من اللجنة الأمنية"، وأن الحصيلة بلغت ستة شهداء وأكثر من ثلاثين جريحًا.
وهنا تتضح لهجة البيان: فهو لا يكتفي بوصف الحدث، بل يوجه اتهامًا مباشرًا للجنة الأمنية وكافة الأجهزة الأمنية والعسكرية، محمّلًا إياها المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عمّا جرى.



-محاولات لتجنب الاحتكاك

من النقاط الجوهرية التي ركز عليها البيان، تأكيده أن القيادة المحلية تعاملت بمسؤولية مع اللجنة الأمنية والسلطة المحلية منذ البداية، وأنها قامت بنقل موقع الفعالية إلى جانب مستشفى الهيئة، بعيدًا عن المرافق الحكومية، خلافًا لما جرت عليه العادة في تنظيم الفعاليات. هذه الخطوة كانت بهدف تجنب أي احتكاك أو توتر.
كما عرضت القيادة المحلية، وفق البيان، تأمين المكان وتفتيش جميع المتظاهرين لمنع أي شعارات أو تصرفات مسيئة، بما في ذلك منع حرق أعلام أو صور أي دولة، إلا أن ذلك قوبل – كما جاء في البيان – بالرفض والتهديد والوعيد والمنع.
وهذا يعكس محاولة لإثبات أن الفعالية كانت تسعى إلى الالتزام بالطابع السلمي، وأن التصعيد لم يكن خيارًا تنظيميًا بل نتيجة قرار أمني.



-مشهد أمني "أقرب إلى جبهة قتال"



البيان يصف ما حدث فجر الأربعاء بأنه اقتحام للموقع المخصص للفعالية، وتكسير للمنصة، وتطويق للمكان بأكثر من عشر مدرعات وثلاثين طقمًا عسكريًا، وما يزيد عن مائتي عنصر مسلح. هذا الوصف يحمل دلالة سياسية عميقة؛ فهو يرسم صورة لمشهد عسكري مكثف في مواجهة فعالية مدنية.
السؤال هنا: هل كان التقدير الأمني يرى في الفعالية تهديدًا أمنيًا جسيمًا؟
أم أن استعراض القوة سبق الحدث وأسهم في تصعيده؟
في كلتا الحالتين، فإن عسكرة المشهد المدني عادة ما تزيد الاحتقان بدل احتوائه.




-لحظة إطلاق النار النقطة الفاصلة

بحسب البيان، بدأت عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية – وهم ملثمون – بإطلاق النار مع بداية تجمع المواطنين، ثم تجدد إطلاق النار بالقرب من فندق الفخامة، وعلى مسافة بعيدة عن مبنى إدارة السلطة المحلية، وباستخدام أسلحة خفيفة ومتوسطة. هذه النقطة تمثل جوهر الأزمة.
ففي القانون، استخدام الذخيرة الحية ضد متظاهرين عُزّل يُعد إجراءً بالغ الخطورة، ولا يُبرر إلا في حالات استثنائية تتعلق بتهديد مباشر وخطير للحياة.
البيان يؤكد أن المتظاهرين كانوا سلميين، وأن إطلاق النار كان مباشرًا، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى.
وهنا يدخل الحدث في نطاق مساءلة قانونية جدية، إذا ما تم إثبات هذه الوقائع عبر تحقيق مستقل.



-بين الحق في التظاهر وهيبة الدولة

أحد أهم أبعاد الحدث هو الصراع المفاهيمي بين هيبة الدولة والحق في التظاهر.
القيادة المحلية تؤكد أن دماء أبناء شبوة ليست مستباحة، وأن مبدأ المحاسبة هو الضامن الحقيقي لعدم تكرار الانتهاكات، وترسيخ هيبة القانون وصون الحقوق والحريات.
في المقابل، غالبًا ما تُبرر الإجراءات الأمنية المشددة بالحفاظ على النظام العام.
غير أن الفقه القانوني يؤكد أن هيبة الدولة لا تُبنى بالقوة المفرطة، بل بتطبيق القانون بعدالة، وأن الحق في التظاهر السلمي مكفول في مختلف الدساتير والمواثيق الدولية. إذا لم يتم التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال الشغب، فإن الدولة تخاطر بفقدان مشروعيتها الأخلاقية.



-تحميل المسؤولية أبعاد قانونية وسياسية

البيان حمّل اللجنة الأمنية وكافة أجهزتها المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة، وطالب بسرعة ضبط الجناة والمتورطين في إصدار الأوامر وإطلاق النار، أياً كانت مواقعهم. هذا المطلب يضع الجهات المعنية أمام اختبار حقيقي: هل سيتم فتح تحقيق شفاف ومستقل؟ وهل ستُعلن نتائجه للرأي العام؟ وهل ستتم محاسبة من يثبت تورطه؟
إن غياب المساءلة غالبًا ما يؤدي إلى تراكم الأزمات، بينما تمثل المحاسبة بوابة استعادة الثقة.

ويرى المحلل السياسي والكاتب الأستاذ صالح علي الدويل أن ما جرى في عتق لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، مؤكدًا موقفه الصريح بـ"لا للقتل" في مقال نشره، ومشددًا على أن الحفاظ على الاستقرار لا يعني استخدام الرصاص الحي ضد متظاهرين عُزّل. ويقول إن هيبة الدولة لا تُصان بالقوة المفرطة، بل بتطبيق القانون، الذي يكفل الحق في التظاهر السلمي ويحمي حرية التعبير.
ويؤكد الدويل أن لدى الجهات الأمنية وسائل متعددة لتفريق أي تجمع يخرج عن السلمية دون إراقة الدماء، مثل القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع والذخيرة المطاطية، معتبرًا أن اللجوء إلى الذخيرة الحية أمر غير مبرر. كما يشير إلى أن الدم المسفوك في عتق يمثل نقطة فاصلة سياسيًا، وأن معالجة الحدث لا يجب أن تتم بمنطق تصفية الحسابات أو توظيف مفهوم "هيبة الدولة" خارج إطار القانون. ويخلص إلى أن العدالة والمحاسبة هما الضامن الحقيقي لعدم تكرار مثل هذه الأحداث، وأن أي دولة تُبنى على احترام الحقوق لا على إزهاق الأرواح.



-التداعيات السياسية داخل شبوة

سياسيًا، قد تشكل هذه الأحداث نقطة تحول في المشهد الشبواني.
إذا ترسخت رواية أن الفعالية السلمية قُمعت بالقوة، فإن ذلك قد يعزز من خطاب المظلومية، ويزيد من الالتفاف الشعبي حول القوى التي ترفع شعار الدفاع عن الحقوق. في المقابل، إذا برزت رواية أمنية مغايرة، فقد ينشأ استقطاب حاد داخل المجتمع. الأخطر أن تتحول الحادثة إلى شرخ دائم في العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمجتمع المحلي.



-البعد الجنوبي انعكاسات على المشروع السياسي

الذكرى التي خرجت الحشود لإحيائها هي يوم الشهيد الجنوبي، وهو يوم رمزي في الوجدان السياسي الجنوبي. تحول المناسبة إلى مشهد دموي قد يعزز الخطاب الذي يرى أن التضحية جزء من مسار طويل نحو تحقيق المشروع السياسي الجنوبي.
وهنا تصبح الدماء – في الخطاب السياسي – رمزًا تعبويًا، ما قد يضاعف من تأثير الحدث خارج حدود شبوة.



-المجتمع أمام مفترق طرق

اليوم تقف شبوة أمام مفترق طرق:
إما أن تسلك طريق العدالة والشفافية واحتواء الأزمة عبر القانون، أو تنزلق إلى مسار تصعيدي قد تكون كلفته أعلى بكثير.
البيان أشار بوضوح إلى أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة وجادة، فإن ذلك سيُعد تهاونًا خطيرًا، وسيضطر القيادة المحلية إلى اتخاذ خطوات مشروعة للدفاع عن حقوق أبناء شبوة. هذه العبارة تحمل رسالة سياسية قوية، لكنها أيضًا دعوة غير مباشرة إلى ضرورة الاحتواء السريع.



-العدالة كضامن للاستقرار

التجارب السياسية تؤكد أن العدالة ليست مطلبًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة للاستقرار. حين يشعر المواطن أن دمه مصان بالقانون، تنخفض احتمالات الانفجار. وحين يغيب الحساب، تتآكل الثقة.
لهذا، فإن فتح تحقيق مهني وشفاف، بمشاركة جهات مستقلة، قد يكون الخطوة الأهم لاحتواء الموقف.


-عتق في ميزان التاريخ

ما حدث في عتق ليس مجرد حادثة أمنية عابرة، بل حدث سياسي سيظل حاضرًا في ذاكرة شبوة. ستة شهداء وأكثر من ثلاثين جريحًا رقم ثقيل في أي مدينة، وفي أي سياق. القيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة شبوة وضعت مطالب واضحة: المحاسبة، وإنصاف الضحايا، وصون الحقوق.
والسلطات المعنية اليوم أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية وشعبية.
فإما أن تُدار الأزمة بعقل الدولة والقانون، وإما أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمرحلة أكثر توترًا.
وتبقى الحقيقة الأهم أن الدم حين يُراق في الفضاء العام لا يمكن تجاوزه بالبيانات وحدها، بل يحتاج إلى عدالة واضحة، وإرادة سياسية حقيقية، تعيد الاعتبار للإنسان أولًا، وللقانون ثانيًا، وللاستقرار ثالثًا.
عتق اليوم ليست فقط مدينة حزينة، بل ساحة اختبار حقيقية لمفهوم الدولة، وحدود القوة، وقدرة السياسة على تجنب الانزلاق إلى دوائر لا يريدها أحد.