كتابات وآراء


السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 11:09 م

كُتب بواسطة : بلعيد صالح محمد - ارشيف الكاتب



لم تكن ذكرى 14 أكتوبر مناسبة فقط نستعيد فيها بطولات الماضي؛ بل محطة لمراجعة الحاضر، وفهم ما جرى، واستخلاص الدروس التي تعين الجنوب على مواجهة تحدياته؛ فحين حمل أبناء الجنوب السلاح في وجه الاستعمار البريطاني، كان مطلبهم أن يكونوا أحرار في أرضهم، وأصحاب القرار في شؤونهم، وليس مجرد طرد جنود أجانب، بل رفضاً لأن يظل مستقبل البلاد مرهون بإرادة خارجية، وهذه هي الدلالة الأعمق لثورة أكتوبر المجيدةالمجيدة، وهي النقطة التي ينبغي أن ننطلق منها لفهم واقع الجنوب فبعد 6 عقود من الثورة، وبعد ما قدمه الجنوبيون من تضحيات جسيمة بعد 3 عقود ونصف من خديعة الوحدة المشؤومة، وأخيراً ماقدمه ولازال يقدمه من تضحيات جسام في مواجهة الحوثيين خلال أل 11 عاماً المنصرمة، يجد شعب الجنوب نفسه أمام تحديات سياسيةوعسكرية واقتصادية معقدة، وفي ظل تدخلات أقليمية (سعودية بالذات) وتعدد مراكز النفوذ، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه، هل أصبحت تضحيات أبناء الجنوب طريق إلى امتلاك قرارهم، أم أن قضيتهم ما زالت عرضة لحسابات تتجاوز تطلعاتهم؟ إن العلاقات بين الدول تقوم على المصالح، وهذا أمر تدركه السياسة؛ لكن المشكلة تبدأ حين يُطلب من شعب الجنوب أن يقدم التضحيات أنهار من الدماء،، ثم يُترك بعيداً عن القرارات التي تحدد مصيره، ومن هنا، فإن من حق الجنوبيين أن يقيسوا أي علاقة سياسية أو عسكرية بنتائجها على أرضهم، وأن يسألوا بوضوح عن أثرها في أمنهم ومعيشتهم ومؤسساتهم وحقهم في تقرير مستقبل شعبهم؛
ولا تنفصل هذه المسألة عن موقف القوى والشخصيات الجنوبية نفسها أكانت مع هذا المسار أو ذاك؛ فالمواقف الحقيقية لا تُعرف من الحديث عن الوطن، بل من القدرة على قول الحقيقة حين تصبح الكلمة مكلفة، ومن الدفاع عن حقوق الناس حين تتعارض مع مصالح أصحاب النفوذ؛ أما الصمت عن معاناة المواطنين، ثم الإكثار من الثناء على الأطراف صاحبة التأثير، فيفتح باب مشروع للتساؤل عن مدى اتساق الأقوال مع الأفعال،
والدرس الآخر الذي تقدمه ثورة 14 أكتوبر أن وحدة الصف لا تعني إلغاء الاختلاف، وإنما الاتفاق على ما يحمي القضية ويصون كرامة الناس؛ فالانقسام يضعف قدرة الشعب على الدفاع عن مصالحه، كما أن الارتهان للخارج لا يعوض غياب التوافق الداخلي؛ فالجنوب بحاجة إلى حوار مسؤول، وقيادات خاضعة للمساءلة، ومؤسسات تجعل خدمة المواطنين وحماية حقوقهم أولوية فعلية؛ لهذا، فإن إحياء ذكرى 14 أكتوبر ينبغي ألا يتوقف عند الخطب ورفع الأعلام؛ بل حين تتحول دروسها إلى مواقف، استقلال في القرار، ووضوح في الأهداف، ورفض للوصاية، واحترام لتضحيات الشهداء، واهتمام بمعاناة الناس اليومية؛ لقد انتزع الأباء والأجداد حقهم في الحرية لأنهم رفضوا أن يقرر غيرهم مصيرهم؛ أما مسؤولية أبناء الجنوب في الوقت الحاضر فهي ألا يسمحوا بأن تضيع تلك الغاية وسط صراعات المصالح وتناقضات السياسة٠