كتابات وآراء


الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 12:21 ص

كُتب بواسطة : أحمد حرمل - ارشيف الكاتب




منذ أن خطّت شمس الجنوب أول خيوط الحرية في فجر السابع من يوليو عام 2007، والتراب هناك يروي حكاية لا تشبه غيرها.

لم يكن الحراك الجنوبي السلمي مجرد هتاف في ساحة، ولا صفحة عابرة في يوميات الألم.
كان ميلاداً لوعي جديد، حيث ارتفعت رايات لا تحمل باروداً، بل كلمات خرجت من جوف الجوع والغبن، ومن ذاكرة لم ولن ترتضي النسيان.

في صيف 94، حين احترق الأفق، كان ثمة ضباط وجنود من جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يرتدون الشمس في قلوبهم.

لم يخرجوا من الحرب بجراح فقط، بل بوصمة أعمق أن يكون المهزوم مذموماً مرتين — مرة لأنه خسر، ومرة لأنه يجب أن يختفي.

هكذا تعامل المنتصر مع الجنوب بعد حرب 94.

أولئك الرجال، الذين كانوا يصنعون من الصمت غضباً لا يهدأ وحقاً لا يُنسى، ومن الولاء وطناً، وجدوا أنفسهم بين خيارين أما الانكسار، أو النهوض.
فاختاروا النهوض، فكانوا كالعنقاء، كالفينيق الذي يولد من رماده.

لم يكن أمرهم أنهم كانوا جنوداً فقط، بل أنهم أدركوا مبكراً أن العدالة لا تُسترد بدماء تُراق بل بضمائر تُوقظ.

لهذا اختاروا النضال سلمياً، ليس ضعفاً، بل لأنهم عرفوا أن قوة الحق لا تحتاج إلى بارود، وأن الكرامة التي تُنتزع بالقتل تبقى مشوهة.

واسترخصوا أرواحهم لأنهم آمنوا أن روحاً واحدة تسقط في طريق العدالة تبعث ألف روح، وأن الشهادة في سبيل القضية ليست نهاية، بل بداية لا تُطفأ.

لذلك مشوا إلى ساحات النضال السلمي بعزيمة لا تلين وحماس منقطع النظير، وهم يحملون أرواحهم على أكفهم، ويقدمون أرواحهم رخيصة لأن القضية كانت أغلى.

أما شعب الجنوب الذي استجاب لحركة العسكريين المبعدين قسراً وانخرط معهم في الاحتجاجات، فلم يكن مجرد صف خلف صف. كان رماداً يتحول إلى لهب، ودماءً لا تجف على كل ذرة رمل من أرض الجنوب.

في ساحات الاعتصام، وفي زنزانات العبث، وعلى مفارق الطرق التي شربت دماء الأبرياء، قدموا أرواحهم كأنها أزهار تتساقط في أرض خصبة، كلما سقطت فيها زهرة نبتت مكانها أخرى.

كل شهيد كان فصلاً من ملحمة، وكل جريح كان شاهداً على أن الكرامة لا تُباع بسعر، ولا تُسرح كجندي عابر.

تلك التضحيات لم تكن ندبة في جسد الجنوب فحسب، بل كانت وصية مكتوبة بحبر النبض: "لن تموت القضية، لأن دمنا سيظل يخترق السكوت، وسيحمل أسماءنا الريح إلى كل جيل قادم".

ولم يكن يَدْرِ بخلد المنتصر في حرب 94، وهو يوزع أحزمة النصر ويطوي ملفات المهزومين، أن حركة المبعدين قسراً ستزداد جذوتها اشتعالاً وقاعدتها اتساعاً.

لم يخطر بباله أن صيحاتهم في ساحات الاحتجاج ستهز عروشه، وأن إصرارهم سيكون الشقة التي قسمت ظهر البعير.

ظن أن النصر العسكري يحسم كل شيء، فإذا بالقضية تولد من رحم الهزيمة أقوى مما كانت.

ومن هذا المنطلق ندعو كل من يظن أن القوة تدوم، ونقول لهم انظروا إلى علي صالح، الذي غدر بالجنوب، وذبح الوحدة، ونكل بالجنوبيين.

كيف انتهى به الحال؟ جثة في ثلاجة موتى، استكثروا عليه قبر مترين في نصف متر. فاعتبروا أيها المعتبرون، فريح الجنوب لا تهدأ، وعناصر قوتكم إلى زوال. ليس لأنكم أضعف مما تتصورون، بل لأن الحق إذا جاء بطيئاً، جاء بلا رجعة.

القضية الجنوبية ليست صخب لقاءات ولا خطباً في منابر.
إنها ترنيمة جرح جماعي، ونبض أرض لا تموت.

وإذا كان الحق قد يرتدي أحياناً ثياب البطء، فإن القوة سرعان ما تتهاوى أمام ارادة لا تتكسر، وأمام دماء لا تجف، وأمام شعب قال للعالم "نحن لسنا ورقة تفاوض، نحن قيامة كل يوم، ونحن الذين لا يُسرحون حتى من ذاكرتهم".

حين يصدأ السلاح وتنام البنادق، تظل الروح هي السلاح الأبدي.

فريح الجنوب لن تهدأ ونبضه لن يتوقف إلا باستعادة وطن مسلوب، وحق مغتصب، وكرامة أهينت، وثروة نُهبت. أولئك الرجال الذين دفعوا الثمن غالياً، لن يهدأ لهم بال إلا حين يعود الحق إلى نصابه، وتُرفع راية العدل على أرضهم المغتصبة.

قوة الحق بطيئة ولكنها لا تستكين، أما حق القوة فسرعان ما ينتهي حين يتعب السوط ويتعب الصبر.