كتابات وآراء


الإثنين - 27 أبريل 2020 - الساعة 11:41 م

كُتب بواسطة : بدر العرابي - ارشيف الكاتب



إذا ما حاولنا العودة إلى ملابسات التدخل الطارئ للمملكة العربيةالسعودية ،في الصراع اليمني ،تحت مسمى ( التحالف العربي ) بعد اجتياح الحوثيين العاصمة صنعاء، وسيطرتهم على السلطة ،وتمدد تلك السيطرة إلى معظم جغرافية المحافظات الشمالية _ سنجد إن أول مبرر للتدخل أعلنه التحالف ؛ على لسان ولي العهد ( محمد بن سلمان ) وقد نقلته كافة القنوات الإخبارية الفضائية _ أول مبرر هو ( تمادي الحوثيين في تمددهم واتجاههم نحو ( عدن) _ ما أثار حفيظة المملكة العربية السعودية ،ودفعها للتدخل المفاجئ، عن طريق الجو في المرخلة الأولى ، وضرب الأهداف المحددة في صنعاء .

وقد تابعنا حينها، جميعاً الحوار الذي أجرته قناة العربية الإخبارية وتم نقله بشكل مباشر من الفضائيات الإخبارية ؛ إذ قالها بوضوح ولي العهد السعودي :" إن تدخلنا في اليمن ، كان الدافع الرئيس له ، هو تجاوز الحوثيين محافظة تعز واتجاههم نحو عدن ....عدن خط أحمر .......إلى آخر الحديث ".
مضت الأحداث قدماً ؛ وتم تحرير عدن وغالبية المحافظات الحنوبية ، بالشراكة مع المقاومة الجنوبية وأبناء عدن الذين سطروا بطولات وملاحم وتضحيات ، لم نعهدها في تاريخ الجنوب ،متناسيين أي مرجعيات مناطقية حينها .
لا ننسى أيضاً إن هدف تدخل المملكة ، الإطاري الرئيس من خلال التحالف العربي الطارئ ، _ هو مساعدة الشرعية اليمنية لاستعادة سلطتها وإفشال انقلاب الحوثيين ؛ تلبية لاستغاثة وطلب من الرئيس اليمني والحكومة اليمنية . ولعله لا يخفى علينا الهدف الأكبر ، الذي يتمثل في مواجهة التمدد الإيراني غير المباشر في المنطقة ،عبر حلفائها الزيديين ،تحت إدارة ما أسمو أنفسهم بأنصار الله .
مضت السعودية من خلال التحالف قدماً ،في حربها مع الحوثي ، لاستعادة الشرعية اليمنية ، سعياً لإفشال الإنقلاب ؛ بآلية تحديد الأهداف عن بُعد ( المتمثلة بقوة الحوثي العسكرية ،يضاف إليها مخازن سلاح الجيش اليمني التي أحكمت سيطرتها عليها ) مروراً بالأهداف المتحركة على الأرض ( المدرعات / العربات / الأطقم العسكرية ) مروراً بالأفراد المتحركين على الأرض ؛ بشكل من الدقة ؛ ولعل حادثة اغتيال ( صالح الصماد ) أنموذجاً للتقنيات القتالية التي اتسم بها التحالف، في إصراره على عودة الشرعية اليمنية ودحر الانقلاب الحوثي ..إلا إن كل تلك التقنيات والأهداف الكبرى والمتوسطة والدقيقة ،التي حققها سلاح جو التحالف ؛ كان ينقصها التغطية العسكرية على الأرض ، كعادة الخطط العسكرية ؛ مما أبرز ثغرة تلوح، بشكل مبكر ، بفشل حسابات التحالف ؛ بسبب خذلان ماتبقى من الجيش اليمني، وعدم ترجمة تحقق الأهداف المنفذة باتقان ؛ لاستعادة سيطرة الشرعية على الجغرافية التي سيطرت عليها قوات الحوثي ،وبسطت نفوذها فيها .

أدركت بعض الدول المشاركة في التحالف العربي ؛ بشكل مبكر ،فشلها ؛ لانعدام تحرك عسكري على الأرض ؛ لجني الثمار , ولجأت إلى سحب قواتها بوقت مبكر ،من بعض المناطق الشمالية ( القوات الإماراتية في مأرب ) التي تعرضت لخديعة ،تمثلت في ترك كتيبة عسكرية بأفرادها وعتادها تواجه ؛ بشكل مفاجى, مصيرها كافة ؛ دون تدخل قوات الجيش اليمني الشرعي، التي كانت على مقربة من المواجهة لحظتها ،وكأن الأمر لايهمها ولا يعنيها . أدركت الإمارات كحليف استراتيجي للمملكة في التحالف _ أدركت اللعبة فقامت بسحب قواتها من المناطق الشمالية ، لتستقر جنوباً أو لتعود للإمارات ؛ ما جعلها كحليف فاعل يستوجب استمراره في صيغة التحالف _ تقرر فاعليتها ووجودها ،في الجنوب ، مع انحسار مهمتها في المواجهة على الأرض ، وبقاء شراكتها في أداء تحقيق الأهداف من الجو ؛ على الرغم من تيقنها إن ذلك لايجدي نفعاً ،ولن يحقق الأهداف المرسومة سابقاً للتحالف .
ليست الإمارات ،كعضو فاعل في التحالف ،وحدها أدركت فشل استعادة الشرعية اليمنية و استحالة إسقاط الإنقلاب ؛ فالكثير من الدول العربية ،جمدت حضورها وفاعليتها، على الأرض والجو ؛ ووجدت السعودية نفسها أمام خيار الاستمرار وحدها ،وفقاً للأهداف المرجعية ؛ ليس إصراراً على تحقيق النصر على الميدان ؛ بقدر ما هو محاولة في استمرار حضورها ، كأداة مساندة للشرعية اليمنية ؛ لاستمرار إحياء واستنهاض قناعات الشرعية بأمل العودة للسلطة بعد دحر الإنقلاب . كما إن استمرار السعودية وحدها ؛ إنما يدل على ترحيل ظهور اضطراب تماسك التحالف ،الذي حدث ، وهروباً من تلك الحقيقة ؛ مع محاولتها البحث عن بدائل أخرى ، وحجب فشل تلك المحاولات أمام التفلت التدريجي لمصداقية القوة العسكرية التابعة للشرعية ،والتي تدين بالولاء للقوى الإسلامية والقبلية والرأسمالية ، الشمالية ؛ التي تقلصت وتلاشت أهدافها الوطنية ،التمويهية ؛ لتغدو القوة العسكرية الحامية لمصالح تلك القوى في الداخل ،المتمثلة في ( الاستثمارات والشراكات التي عقدتها تلك القوى مع شركات الاستثمار الخارجية في ( النفط والثروات والمعادن) كأطراف حكومية وأطراف رأسمالية خاصة ، في وقت واحد . ومن ثم وجدت السعودية نفسها وحيدة ،من الخارج ومن الداخل . والأخطر إنها وجدت نفسها في مواجهة مع تحالف دولي وإقليمي ،إسلامي واستثماري بالوكالة ،يمضي بآلية الملاقحة بين السياسي الشرعي الحكومي في الداخل ،مع تكتل إقليمي ودولي يتخذ من الإسلام أداة استثمارية ،تلتقي أهدافه مع أهداف قوى إسلامية ،تتعارض مذهبياً مع السعودية ( إيران وحلفاؤها ) .
إلى جانب كل ذلك ،فثمة ضعط دولي أممي ،عبر الأمم المتحدة ؛ لإيقاف السعودية حربها مع الحوثي، بدفع من الهاجس الإنساني ،والبحث عن صيغة أخرى للتسوية ؛ تدير تنفيذها السعودية ؛ وفقاً لرؤيتها التي تضمن بقاء شرعية تدخلها دولياً ؛ دون المساس يها فيما بعد وبسمعتها ومكانتها .
وهكذا تبددت أهداف السعودية ، وبدأت تفقد شرعية تدخلها في اليمن ؛ بعد إيقاف أعضاء التحالف العربي نشاطهم وشراكتهم في التحالف ؛ بشكل غير معلن ؛ ولعل آخرهم الإمارات العربية المتحدة في عدن ، التي تعرضت لضعط سعودي مفاده إخلائها من عدن ؛ دون تفسير منطقي ، أو تنبه ،لما سيحدثه ذلك ،لدى الإماراتيين ،كحليف استراتيجي وعضو فاعل في التحالف العربي ، ينماز بالحكمة والدهاء السياسي والعسكري .
إن الاضطراب السياسي الذي برز على سلوكيات المملكة العربية السعودية في إدارته للتحالف والصراع والحرب في اليمن _ جعلها وحيدةً ، بعد أن لمس أعضاء التحالف العربي عدم مصداقية الجيش اليمني والمقاومة الوطنية ( في الشمال ) في استعادة الشرعية ، وتقلص أهداف القوى السياسية والعسكرية ،الوطنية ،في استعادة الدولة ؛ وانصراف تلك القوى عن مواجهة الانقلابيين ،لصالح الدخول في تحالفات إقليمية وإسلامية دولية ( تنظيم الإخوان المسلمين ،الذي فقد قوته في مصر ) ووجد في الجناح العسكري الإسلامي ،في الحكومة اليمنية ،خياراً متاحاً و
قشةً ؛لإحيائه واستمراره على قيد الفاعلية والحضور ؛ ريثما يعيد أنفاسه.
إن الاضطراب والتناقض السياسي الذي بدت عليه المملكة العربية السعودية _ كان السبب الرئيس في انصراف أعضاء التحالف العربي ، وتفسخ التحالف العربي، غير المعلن ؛ إذ اكتشف الشركاء ، وإن بشكل مبكر ،أو بشكل بعدي _ إن البقاء في التحالف ، مع استمرار اضطراب سلوك المملكة العربية السعودية السياسي _ سيؤثر على مكانتهم الدولية ،من جهة ، وسيجعلهم شركاء في هذا التخبط السياسي ،غير الواعي ،مع السعودية ،أمام المجتمع الدولي _ الذي بدى له ولأعضاء التحالف العربي المشاركين , مؤخراً ،بما يلوح لهما إن المملكة العربية السعودية ، تنأى عن الحنكة السياسية التي تفترض أن تتماهى مع الأهداف المعلنة في السابق ؛ الأمر الذي ضرب ثقة الشركاء والمجتمع الدولي _ بمقتل .

ولن يقف الأمر عند هذا ؛ بل جعل متوالية من الأسئلة ،في اشتغال دائم وملح , لدى الشركاء والمجتمع الدولي .
إن اضطراب سلوك المملكة العربية السعودية ؛الذي لم تدعمه بمصفوفة تفسيرية ، وإن بشكل غير مباشر , للحلفاء في الإقليم والحلفاء في المجتمع الدولي والحلفاء داخل اليمن _ جعل هؤلاء الحلفاء جميعاً ، يطلون على تأويلات منفتحة على لجة من الحيرة والدهشة ،تتحصل أحياناً، إذا لم يكن دائماً ،في تأويلات واستقراءات ، تطلهم على تواطى مخيف للمملكة السعودية ، مع الإخوان المسلمين ؛ لكن يواجه هذا التأويل , نجاح المملكة في إدارة وجمع الأطراف اليمنية متعارضة ومتقاطعة الرؤى , المتمثل في إعلان اتفاق الرياض ،المدعوم دولياً ،الذي يشهد للسعودية ،أمام العالم كافة ،بالحكمة السعودية ، ويردم ثغرات خلفها السلوك السياسي المضطرب ،في إدارتها للتحالف العربي ، منذ اندلاع الحرب اليمنية بين الإنقلابيين والشرعية ،وتدخلها في اليمن ؛ على أن نقطة التألق السعودي ،التي تجسدت في اتفاق الرياض _ قد لا تستطيع الصمود أمام انبثاق التناقض المخيف ؛ بين الأهداف الكبرى والآليات المفترضة ،التي تضمنها هذا الاتفاق _ وبين الإجراءات المناقضة كلياً ،لتلك الأهداف والآليات ،في الميدان ،والتي ترتكبها اللجنة العسكرية المكلفة بالإشراف على الإجراءات التنفيذية للاتفاق ، ويشرع في اتخاذها قائد كتيبة المهمات ،العقيد ماجد العتيبي، والسفير السعودي في اليمن ؛ في ظل عجز السلطة في الرياض عن تفسير هده الفوضى .

وخلاصة القول ؛ فأن ثمة عبث وتناقض وازدواج في الموقف السعودي والإجراءات السعودية ؛ يبرز في مستويين :
الأول : جدية النظام السعودي ( ممثلاً بالملك سلمان وولي عهده ) ونجاحهم في صك اتفاق بين الأطراف اليمنية ،يمهد للسلام ، ويحترم إرادات الأطراف ،كلها ؛ بما فيها المجلس الانتقالي والجنوبيين ، وطرف الحكومة ) لا ستمرار المضي في التسوية وتوحيد الجهود ، لاستعادة الدولة ، سواءً بالمواجهة مع الانقلابيين ،أو بتسوية سلام دائمة ، تنهي الحرب ، وتحفظ للسعودية ماء الوجه .
والثاني : ذلك التناقض والتعارض والإبطال ، لاتفاق الرياض ، المتمثل في إبطال أهداف الملك وولي عهده ، التي توخى اتفاق الرياض منها ( توحيد جهود الأطراف اليمنية ، لاستعادة الدولة ،كمطلب عاجل وضروري ، بموافقة الأطراف جميعها. ويبدو هذا الإبطال، في ممارسات الأدوات التنفيذية ( السفير السعودي وقائد كتيبة المهام المعين في عدن ) واللجنة العسكرية المكلفة بالإشراف على التنفيذ ،بعد اتفاق الرياض مباشرة ؛ تلك الممارسات التي تدل على التعارض مع بنود الاتفاق ؛ وبالتحديد ما يخص تراتبية التنفيذ ؛ إذ يتم انتقاء بنوداً ، بشكل مزاجي، والقفز على بنود، وضعت كأولوية لتنفيذها ؛بمايوحي ميل المشرفين على التنفيذ ، لطرف واحد ، وهو الحكومة ؛ التي يفترض أن تكون قد سقطت شرعية بقائها ؛ لعدم تشكيل حكومة جديدة ، في المدة المحددة في الاتفاق ؛ وعوضاً عن ذلك يتم دعوتها ،بشكل انفرادي ،في إجراء منفصل عن قمة هرم النظام السعودي _وهو دعوة الحكومة اليمنية النافقة العودة لعدن ؛ من قبل السفير ( آل جابر والرئيس اليمني ) لتمكينها من عدن ؛ في الوقت الذي يخرج أبناء عدن بمظاهرات تندد وتطالب بطرد بقايا الحكومة ؛ من محافظ وجهات مسئولة أخرى ؛ ولعل ردة فعل الجماهير المنفعلة في عدن ، فيما يخص زيارة المحافظ المعين من الحكومة الشرعية ( أحمد سالمين ) _ شاهدة على رفض تواجد الحكومة ،وتدخلها بشأن المجتمع ،من قبل المجتمع نفسه ، وفي الوقت ،الذي تمثل فيه الدعوة ، اختراقاً وانتقاءً محيراً ، لتنفيذ بنود ،ترتيبها أسفل في مصفوفة بنود اتفاق الرياض ،على حساب بنود ،تجاوزها ،يعد تجاوز وإبطال نهائي لاتفاق الرياض.

كما إن إبطال الجهود العسكرية ،التي نص عليها اتفاق الرياض ،كأولوية في التنفيذ، والمفترض توجهها نحو مأرب وتحرير المناطق الشمالية ، وفقاً لاتفاق الرياض __ تتقاطع مع الدفع والضغط بما تبقى من قوات الشرعية في مأرب ، نحو الجنوب ؛ بما يشير إلى إن هناك تضارب وتناقض بين قرارات النظام السعودي ( ممثلاً بالملك وولي العهد ) وقرارات الجهات التنفيذية السعودية ، في الميدان ،الصادرة من ( العقيد ماجد العتيبي والسفير آل جابر ) .

ويمكن دعم ظاهرة التناقض والاضطراب، المحيرة ،في القرار السعودي _ بحوادث وإجراءات محيرة، تتعارض مع اتفاق الرياض بشكل فج ، لا ندري مصدرها ؛وقد طُلب تفسيرها من السلطة السعودية ؛ إلا إن السلطة السعودية لم تفسر ذلك ،وماتزال كذلك ؛ تاركة اللجنة التنفيذية المعينة ،الممثلة بالعقيد ( العتيببي ) وممثل السعودية ( السفير محمد آل جابر ) _ تاركة لهما تماديهما في ارتكاب خروقات صارخة على الميدان ،تجسد أكبرها وأوقحها ؛ في مساعدة قوة الإخوان المتواجدة في مأرب ، في التوغل جنوباً ؛ بما يتقاطع مع هاجس اتفاق الرياض الرئيس الناص على تحرك كل القوى والجهود العسكرية، بمافيها قوات الشرعية ( القوات العسكرية التي يبسط عليها ويتحكم بقرارها التجمع اليمني للإصلاح ، وقوات المقاومة الجنوبية وقوات الدعم والإسناد والقبائل في الشمال ) _تحركها شمالاً لتحرير صنعاء والمناطق التي يسيطر عليها الإنقلابيون .

ماتزال السلطة السعودية في الرياض ،عاجزة عن تفسير هذه الفوضى ،التي تحركها وتفتعلها أدواتها في عدن ؛ في الوقت الذي تتهاوى فيه، بعجالة ، ثقة المجلس الانتقالي والمقاومة الجنوبية، بالمملكة ؛ كطرفين رئيسين في اتفاق الرياض ،وكآخر ماتبقى من حلفائها الاستراتيجين ،في الداخل اليمني ، اللذين مكناها ومايزالان على استعداد ، في مساندتها وتمكينها من أهدافها الكبرى المتمثلة في تحقيق الانتصارات العسكرية ؛ منذ بداية تدخلها في اليمن حتى اللحظة الراهنة .

[email protected]