اخبار وتقارير

السبت - 19 سبتمبر 2020 - الساعة 04:21 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / تحليل


يبدو المشهد الخدمي والاقتصادي والإنساني في جنوب اليمن، أشبه بحالة حصار يستهدف ملايين الناس بلا رحمة، ويحصدُ أرواحَهم وآمالهم باستمرار. أزمة كهرباء خانقة. تدهورٌ حاد لقيمة العملة. عشرات آلاف الموظفّين العسكريين والمدنيين الجنوبيين لا يتلّقون رواتبهم منذ أشهر. وقائمة طويلة من انهيار واسع للخدمات الأساسية الغذائية والتعليمية والبنى التحتية، في الوقت الذي يخوض فيه الشعب معارك عسكرية أخرى على جبهات مفتوحة مع أعداء متعددين.

استراتيجيات “تشومسكي”

مشهدٌ يبدو مطابقاً لاستراتيجيات السيطرة على الشعوب، التي أوردها الناقد والمفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي”، (اختلاق المشاكل، واستراتيجية الإلهاء).

تحدَّث المُفكِّر تشومسكي عن عشرة استراتيجيات تبنَّاها واعتمدها أصحاب النُّفوذ العالمي من ساسة ورأسماليين كدليل للسيطرة على عقول ومُقَدَّرات وأموال الشعوب، وبالتالي توجيه سُلوكهم والسيطرة على أفعالهم.

يقول “تشومسكي” أن عنصرًا أساسيًا في التحكم الاجتماعي هو إلهاء انتباه العامة للقضايا والتغييرات الاجتماعية الهامة التي تحددها النخب السياسية والاقتصادية، من خلال تصدير كم كبير من الإلهاءات والمعلومات التافهة، مشيراً أيضا إلى ممارسة استراتيجية التدرج في خلق الأزمات الاجتماعية وتلك التي تمس حياة الناس الأساسية.

"مشهد حرب الخدمات في عدن يبدو مطابقاً لاستراتيجيات السيطرة على الشعوب، التي أوردها المفكّر الأمريكي “نعوم تشومسكي”"

وعلى الرغم من أنّ الأزمة الاقتصادية والخدمية السيئة في جنوب اليمن، والتي لم يسبق لها مثيل، مرتبطة بصورة أساسية، بتداعيات ست سنوات من الحرب الأهلية الممولة إقليمياً ودولياً إلى جوار تعثّر الوصول إلى سلامٍ شاملٍ في اليمن وإيجاد حلول جذرية لمعالجة القضية الجنوبية.

تم تحرير المحافظات الجنوبية في الشهور الأولى من انطلاق عمليات عاصفة الحزم، في سبتمبر 2015. تولّت الإمارات الملف العسكري والخدمي في هذه المناطق حتّى انسحابها في أكتوبر 2019. وعلى الرغم من التمويل الكبير الذي قدمته أبوظبي للخدمات في عدن عبر برنامج الهلال الأحمر الإماراتي والتمويل المباشر للحكومة، إلا أنّ ملف الكهرباء بقي عالقاً، وحال فساد السلطات الحكومية دون إنجاح عدد واسع من المشاريع، بل قضى عليها تماماً.

الوقوف على الحبل

انهيار الخدمات المبكّر وفساد المسؤولين المحليين المحسوبين على الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي المقيم في الرياض، دفع المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تم تأسيسه في مايو 2017، إلى السيطرة على العاصمة عدن في أغسطس 2019، ولاحقا الإعلان في أبريل 2020 عن الإدارة الذاتية للمحافظات الجنوبية، قبل أن يتخلّى عنها تحت ضغوط المملكة العربية السعودية، في سياق التشبّث بتنفيذ اتفاق الرياض.

لقد بدى الانتقالي كالذي يقف على حبلٍ مشدودٍ، على إحدى ضفتيه الشعب بمطالبه الوطنية والخدمية، وعلى الأخرى تتواجد الرياض بـ "شرعيتها" وسفيرها البارز إلى اليمن. وحول الحبل تشتد معارك عسكرية واسعة تخوضها القوات الجنوبية شرقا ًوشمالاً وغرباً وجنوباً وفي كل اتجاه.

يضطرّ أركان كتيبة يقاتل في جبهات الضالع قبل قضاء إجازته القصيرة وبعد مواجهة مستمّرة مع الموت، أن يخوض معركة أخرى للبحث عن نفقات يومين يقضيها مع عائلته وقد تكون الأخيرة، وآخر عميد ركن يخوضُ معارك شرسة في أبين، يناشد رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، التدخل لإطلاق سراح رواتب جنوده.. ومثلهم عشرات الآلاف من الجنود.. إنهم يدفعون ثمن مواقفهم الوطنية، كما يقول قائد عسكري في اللواء 119 مشاه.
تبدو قيمة حياة الإنسان في جنوب اليمن أقلّ بكثير في نظر الحلفاء مما كان يتوقعه كثيرون. لا وجود لإيران في عدن ولا ميليشياتها كذلك، لكنّ صنعاء تبدو أحسنً حالا من عدن.

الاستسلام

قد يودّ صانع الحصار الاقتصادي في جنوب اليمن أن يدفع الناس نحو الاصطدام المباشر مع المجلس الانتقالي الجنوبي، ونزع الثقة عن قيادته، وإشغال الناس في الاقتتال في سبيل ما يسدّ رمقهم. وهذا سيقود بالنهاية إلى ترويض المجلس والشعب في جنوب اليمن، والتكيّف مع ما يحددها راسموا السياسة الإقليمية والدولية.

ووفقاً لهذا المبدأ، فليس على الجنوبيين أن ينشغلوا بمطالبهم السياسية، أو التفكير بحماية مساحاتهم الجغرافية وجزرهم الاستراتيجية. ليس عليهم أن يخرجوا بمليونيات شعبية في الشوارع يحملون أعلام دولتهم الجنوبية السابقة. ليس عليهم أن يفرضوا واقعاً سياسياً أو عسكرياً يخدم مصالحهم بدرجة رئيسية، ويضعهم كشريك ندي مع الآخرين. ليس عليهم أن يتفرغوا لمجالات التعليم والمعرفة والتكنلوجيا.

وعلى الرغم من هذا "الواقع المأساوي"، كما يصفه صحفي في عدن، تبرز بين الحينة والأخرى وعود من قبيل، تأسيس مشاريع، وأحجار أساس، تزامنت مع تولّي محافظ محافظة عدن أحمد حامد لملس زمام السلطة المحلية في المدينة الشهر الماضي.