اخبار وتقارير

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 12:15 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/تقرير خاص: مريم بارحمة



تحوّل الحصول على أسطوانة الغاز المنزلي في عدن ومحافظات الجنوب من مسألة تتعلق بتوفير وقود للطهي إلى معاناة يومية تستنزف وقت المواطنين وطاقتهم وقدرتهم على مواجهة أعباء الحياة المتزايدة. ويقضي المواطنون منذ ساعات الفجر الأولى أوقاتًا طويلة في طوابير تمتد أمام محطات ومنافذ بيع الغاز، حيث يقفون تحت حرارة الشمس في انتظار دور قد يأتي أو لا يأتي، قبل أن تنتهي ساعات الانتظار أحيانًا بخبر صادم: الغاز غير متوفر، أو الكمية نفدت.

وتتكرر هذه المشاهد في العاصمة عدن وعدد من محافظات الجنوب بصورة تتجاوز حدود الأزمة العابرة. ويقف نساء وأطفال وكبار سن وشباب لساعات طويلة في طوابير تمتد من الصباح حتى الظهر، وأحيانًا حتى المساء، بحثًا عن نصف أسطوانة أو أقل، بينما تعجز أسر كثيرة عن شراء أسطوانة كاملة بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع قدرة الأسرة الشرائية.



ـ من أزمة موسمية إلى معاناة يومية

عرف المواطنون خلال السنوات الماضية أزمات متكررة في الغاز المنزلي، خصوصًا خلال شهر رمضان والأعياد والمواسم التي يرتفع فيها الطلب على الغاز. وكانت تلك الأزمات تُفسَّر أحيانًا بزيادة الاستهلاك أو اضطراب التوزيع، إلا أن تكرارها كان يثير تساؤلات واسعة لدى المواطنين حول أسبابها الحقيقية وآليات إدارتها.

أما اليوم، في عهد سلطة الأمر الواقع فقد تجاوزت الأزمة حدود الموسم وأصبحت جزءًا من الحياة اليومية للأسر. وأصبح المواطن يتعامل مع نقص الغاز باعتباره واقعًا مستمرًا يضاف إلى قائمة طويلة من الأزمات التي تثقل حياته.

وهنا تكمن خطورة المشهد؛ لأن استمرار أزمة سلعة أساسية مثل الغاز المنزلي يعني أن الأسرة لم تعد قادرة على ضمان أبسط احتياجاتها اليومية، وهي إعداد الطعام لأفرادها.



ـ طوابير تحت الشمس.. معاناة لا تُرى في الأرقام

الأرقام وحدها لا تستطيع نقل حجم المعاناة التي يعيشها المواطن أمام محطات الغاز. فخلف كل طابور طويل قصة أسرة تنتظر، وخلف كل أسطوانة غاز شخص اضطر إلى ترك عمله أو تعطيل مصالحه لساعات طويلة من أجل الحصول على كمية محدودة من الوقود.

يقف المواطن منذ الفجر، يحمل أسطوانته وينتظر دوره، ويتحمل حرارة الجو وأشعة الشمس والإرهاق، ثم قد يصل إلى نهاية الطابور ليجد أن الكمية المتوفرة قد نفدت.

الأكثر إيلامًا أن بعض المواطنين لا يملكون القدرة المالية على تعبئة الأسطوانة كاملة، فيضطرون إلى الاكتفاء بنصفها أو بأقل من ذلك، بحسب ما تسمح به إمكاناتهم. وهكذا يتحول الغاز من سلعة أساسية يفترض أن تكون متاحة للمواطن بسعر معقول إلى عبء مالي ونفسي جديد.

ولا تقتصر الطوابير على فئة عمرية محددة؛ فبين الواقفين نساء يتحملن مشقة الانتظار، وشيوخ أنهكتهم حرارة الشمس، وشباب اضطروا إلى الوقوف بدلًا من ممارسة أعمالهم، وأطفال واقفون في ظروف قاسية. مشهد إنساني يعكس إلى أي مدى وصلت الأزمة المعيشية في عهد سلطة الأمر الواقع.



ـ غاز السيارات.. أزمة تضرب المواصلات

تمتد أزمة الغاز إلى وقود السيارات، إذ تشهد محطات التعبئة طوابير طويلة من المركبات، ويضطر سائقون إلى الانتظار لساعات، وأحيانًا لأيام، حتى يتمكنوا من تعبئة سياراتهم. ويؤدي ذلك إلى تراجع عدد سيارات الأجرة المتاحة وارتفاع الضغط على وسائل المواصلات.

ويستغل بعض السائقين نقص المركبات لرفع أجور النقل، بينما يواجه المواطن صعوبة في الوصول إلى عمله أو جامعته في الوقت المحدد. ويتأخر الموظف عن عمله والطالب عن جامعته بسبب قلة وسائل النقل وارتفاع أجورها، لتتحول أزمة الغاز بذلك من مشكلة مرتبطة بالوقود إلى أزمة تمس حركة المدينة ومصالح المواطنين اليومية.



ـ عندما يصبح الغاز سلعة مضاعفة السعر

الأزمة لا تتوقف عند ندرة الغاز، بل تمتد إلى ارتفاع أسعاره في السوق السوداء. فعندما يعجز المواطن عن الحصول على الأسطوانة بالسعر الرسمي أو عبر منافذ التوزيع، يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانتظار لساعات طويلة على أمل الحصول على كمية محدودة، أو اللجوء إلى السوق بأسعار تفوق قدرة معظم الأسر.

وهنا تتسع الفجوة بين المواطن الذي يعيش على راتب محدود وبين الأسعار التي ترتفع بوتيرة أسرع من دخله.

إن بيع الغاز بأسعار مضاعفة في السوق السوداء، في الوقت الذي يقف فيه المواطنون لساعات أمام منافذ التوزيع، يطرح سؤالًا جوهريًا حول آليات الرقابة والتوزيع، وحول قدرة الجهات المعنية على ضبط السوق ومنع استغلال حاجة الناس.

فالمواطن لا يريد امتيازًا ولا خدمة مجانية؛ إنه يريد فقط أن يحصل على سلعة أساسية يحتاج إليها يوميًا بسعر يستطيع تحمله، ومن خلال آلية واضحة وعادلة تحفظ كرامته ووقته وجهده.



ـ الغاز والكهرباء والمياه.. أزمات تتراكم فوق المواطن

تأتي أزمة الغاز في وقت يعيش فيه المواطن في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب ظروفًا معيشية شديدة الصعوبة. فارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية يتزامن مع تراجع القدرة الشرائية للرواتب، بينما تفرض أزمة الكهرباء نفسها بقسوة، خصوصًا خلال فصل الصيف، حين تتحول ساعات الانقطاع الطويلة إلى معاناة يومية.

وفي الوقت ذاته، يعاني المواطن من انقطاعات المياه أو ضعف وصولها إلى عدد من المناطق، ليجد نفسه أمام سلسلة متواصلة من الأزمات: كهرباء غير مستقرة، ومياه شحيحة أو منقطعة، وغاز يصعب الحصول عليه، وأسعار تتصاعد، ورواتب لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية.

هذه الأزمات المفتعلة لا تحدث بصورة منفصلة؛ بل تتفاعل مع بعضها وتنتج أزمة معيشية مركبة.

فعندما تنقطع الكهرباء لساعات طويلة، يضطر المواطن إلى البحث عن بدائل تزيد أعباءه المالية. وعندما تتعطل المياه، تظهر تكاليف إضافية لتوفيرها. وعندما يرتفع سعر الغذاء، تصبح الأسرة أكثر عجزًا عن مواجهة أي زيادة جديدة في أسعار الغاز.

وبذلك يتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف في منظومة الأزمات المتراكمة.



ـ راتب لا يكفي أمام غلاء لا يتوقف

يزداد المشهد قسوة مع تأخر الرواتب أو محدودية قيمتها أمام الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات. فالراتب الذي كان بالكاد يلبي احتياجات الأسرة في السابق لم يعد قادرًا على مواجهة تكاليف الحياة الحالية.

وهنا تصبح عبارة "الراتب لا يكفي" أكثر من مجرد شكوى؛ إنها تعبير عن اختلال حقيقي بين الدخل وتكاليف المعيشة.

فالمواطن يحتاج إلى الغذاء والماء والكهرباء والغاز والدواء والمواصلات والتعليم، بينما تتراجع قدرته على توفير هذه الاحتياجات مع كل ارتفاع جديد في الأسعار.

وإذا كان الراتب يتأخر، فإن الأزمة تصبح أشد قسوة؛ لأن الأسرة لا تملك احتياطيًا ماليًا يسمح لها بالتعامل مع الأزمات اليومية، فتضطر إلى الاستدانة أو تقليص احتياجاتها أو اللجوء إلى حلول مؤقتة تزيد من أعبائها لاحقًا.



ـ أزمة تمس كرامة المواطن قبل جيبه

الجانب الأخطر في أزمة الغاز ليس الجانب المالي وحده، وإنما ما تتركه من آثار نفسية واجتماعية على المواطن.

أن يقضي الإنسان ساعات من يومه في طابور تحت الشمس من أجل أسطوانة غاز، ثم يعود إلى منزله دون أن يحصل عليها، ليس مجرد إهدار للوقت؛ إنه شعور بالعجز والإحباط وفقدان الثقة في قدرة مؤسسات سلطة الأمر الواقع على توفير أبسط متطلبات الحياة.

كما أن اضطرار النساء وكبار السن والأطفال إلى الوقوف لساعات في ظروف جوية قاسية يطرح تساؤلات إنسانية وأخلاقية حول كيفية إدارة توزيع سلعة أساسية.

فإدارة الأزمات لا تُقاس فقط بكمية الغاز التي تصل إلى السوق، وإنما أيضًا بالطريقة التي يصل بها إلى المواطن، ومدى عدالة التوزيع، ووضوح الإجراءات، وحماية المستهلك من الاستغلال.



ـ هل أصبحت الأزمة جزءًا من إدارة الحياة اليومية؟

تكرار الأزمات يفرض سؤالًا سياسيًا وإداريًا مهمًا: لماذا تتحول مشكلة يمكن التعامل معها من خلال التخطيط والرقابة وتنظيم التوزيع إلى أزمة تتكرر بصورة مستمرة؟

قد تكون هناك أسباب مرتبطة بالإمدادات أو النقل أو التوزيع أو ارتفاع الطلب، لكن استمرار المشكلة وتوسع آثارها يستدعي معالجة أكثر جدية وشفافية، بدل الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها أزمة طارئة.

فالمواطن يحتاج إلى معرفة ما يحدث، وما حجم الكميات المتوفرة، وكيف يجري توزيعها، وما الإجراءات المتخذة لمنع احتكارها أو تسريبها إلى السوق السوداء، ومن المسؤول عن الرقابة على الأسعار والمنافذ.

إن غياب المعلومات الواضحة يفتح الباب أمام الشائعات، ويزيد حالة الاحتقان، ويجعل المواطن أكثر استعدادًا لتصديق أن الأزمة ليست مجرد خلل عابر، بل نتيجة سوء إدارة أو تلاعب أو تقصير من سلطة الأمر الواقع.



ـ الأزمة المعيشية.. خطر يتجاوز حدود الخدمات

من منظور سياسي واجتماعي، فإن استمرار الأزمات الخدمية والمعيشية لا يبقى محصورًا في نطاق الخدمات، بل يمكن أن يتحول إلى عامل مؤثر في الاستقرار الاجتماعي.
عندما يشعر المواطن بأن أبسط حقوقه المعيشية أصبحت صعبة المنال، وأن عليه أن يقضي نصف يوم للحصول على أسطوانة غاز، وأن راتبه لا يكفي، وأن الكهرباء والمياه غير مستقرتين، فإن تراكم هذه الضغوط يولد حالة من الغضب والإحباط وفقدان الثقة.

وهذه الأزمات المفتعلة لن تثني شعب الجنوب عن مواصلة المطالبة بحقه في التحرير والاستقلال واستعادة دولته الجنوبية، دولة النظام والقانون، التي ينشد فيها المواطن حياة كريمة يسودها الأمن والحرية والعدالة.

وهذا يجعل معالجة أزمة الغاز جزءًا من معالجة أوسع للأزمة المعيشية، وليس ملفًا منفصلًا يمكن تأجيله.
فالمطلوب ليس فقط توفير الغاز، وإنما بناء منظومة توزيع تضمن وصوله بصورة منتظمة وعادلة، وتمنع الاحتكار والمضاربة، وتضع حدًا للفوارق الكبيرة بين السعر الرسمي وأسعار السوق السوداء.



ـ المواطن يريد حياة طبيعية

المواطن في العاصمة عدن ومحافظات الجنوب لا يطلب رفاهية استثنائية. كل ما يريده هو أن يستيقظ صباحًا دون أن يفكر: أين سأحصل على الغاز؟ ومتى ستأتي الكهرباء؟ ومتى تصل المياه؟ وكيف سأوفر قيمة الغذاء؟ وهل سيصل راتبي في موعده؟

هذه الأسئلة اليومية الصغيرة أصبحت بالنسبة لكثير من الأسر همومًا كبيرة تستنزف أعصابها ومواردها ووقتها.

ولذلك فإن استمرار أزمة الغاز المنزلي، إلى جانب الغلاء وانقطاع الكهرباء والمياه وتأخر الرواتب، يمثل صورة مكثفة لمعاناة معيشية أوسع تحتاج إلى معالجة حقيقية لا إلى حلول مؤقتة.

إن طوابير الغاز التي تبدأ من الفجر ليست مجرد صفوف أمام محطات بيع؛ إنها صورة تختصر حجم الأزمة التي يعيشها المواطن. وفي كل أسطوانة لا يحصل عليها مواطن، وكل ساعة يقضيها تحت الشمس، وكل مبلغ إضافي يدفعه مضطرًا في السوق، تتراكم مشاعر القهر والإحباط.

لقد آن الأوان للتعامل مع أزمة الغاز باعتبارها قضية معيشية وإنسانية تمس حياة الناس وكرامتهم، ووضع آلية واضحة وشفافة تضمن انتظام الإمدادات وعدالة التوزيع، وتشدد الرقابة على السوق السوداء، بالتوازي مع معالجة أزمات الكهرباء والمياه والرواتب وارتفاع الأسعار.

فالمواطن الذي يصبر على شظف الحياة سنوات طويلة، لا ينبغي أن يُطلب منه أن يصبر إلى ما لا نهاية على أبسط حقوقه في العيش الكريم. والجنوب الذي يعيش أبناؤه هذه الأزمات اليومية بحاجة إلى حلول ملموسة تعيد للمواطن شيئًا من الطمأنينة، وتفتح أمامه نافذة أمل بدل أن تتركه أسيرًا لطوابير الغاز وحرارة الصيف وغلاء المعيشة.