الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 09:31 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
تأبى حقائق التاريخ وموازين العدل أن تنحني أمام عواصف الزور أو تنكسر تحت وطأة التلويح بالعدم، فالحق الذي يستوطن مهج الرجال ويجري في عروقهم مجرى الدم لا يذبل بمجرد هبوب ريح صرصر تريد اقتلاع جذوره الضاربة في أعماق الأرض الجنوبية، ومخطئ أشد الخطأ ذلك الواهم الذي يظن أن سياسة الالتفاف على الإرادة الصلبة لشعب شب على الطوق وذاق مرارة القهر يمكن أن تثمر خضوعا أو استسلاما، فما كانت دماء الشهداء يوما مدادا لكتابة وثائق الهزيمة، وما كانت تلك التضحيات الجسام التي قدمها الجنوبيين في سبيل الاستقلال الناجز مجرد أرقام في حسابات السياسيين الخاطئة، بل هي ميثاق غليظ يربط بين الأجيال وبين تراب الوطن المسلوب، فالجنوب قيادة وشعبا ليس في وارد الشعور لديهم بالضعف مهما تكالبت عليهم القوى أو حاولت إيهامهم بالهزيمة، إذ إن الجلوس حول طاولة حوار تضم القوى اليمنية بكافة أطيافها وتناقضاتها لا يزيد عن كونه عبثا بالوقت واستهتارا بالواقع ما لم يكن الغرض الوحيد والهدف الفريد من الجلوس معها هو تسليم مقاليد دولة الجنوب المستقلة بكامل سيادتها برا وبحرا وجوا وقرارا، فمن يحيك المؤامرات في الخفاء ومن ينسج خيوط التآمر للنيل من تطلعات شعبنا واستقلاله إنما يحرث في البحر ويطارد السراب، ظنا منه أن إعادة القوى اليمنية إلى مفاصل الجنوب أو محاولة تفكيك قواته المسلحة الباسلة ستجبره على القبول بحلول عرجاء كالفيدرالية مع اليمن التي لفظها الجميع منذ اللحظات الأولى، فالمراهنة على إعادة الشعب إلى نقطة الصفر بغية انتزاع تنازلات سياسية هي مراهنة خاسرة تفتقر إلى أدنى مقومات الفهم لطبيعة الإنسان الجنوبي الذي يزداد صلابة كلما اشتد عليه الحصار، ولقد أثبتت الأيام وتوالت الدلائل على أن الجنوبيين رفضوا الفيدرالية مع اليمن حين كان نظام صنعاء في ذروة جبروته وعنفوانه العسكري والسياسي، وحين كان الحراك الجنوبي في مهده ولم يقدم بعد تلك القوافل من الشهداء، فإذا كان الحلم بالاستقلال مرفوع الرأس يوم كان خيالا بعيد المنال ، فكيف يطمع الواهمون أن يقبل الشعب بما رفضه سابقا بعد أن خاض غمار الحروب الطويلة ونال نصيبه من التعذيب والتشريد وقدم شلالات من الدماء الزكية التي لا تجف، فمطلب استعادة الدولة ليس نزوة خاضعة للظروف أو حالة نفسية تتقلب بتقلب الأمزجة والمناخات السياسية، ولا هو رد فعل مؤقت يزول بزوال السبب، بل هو حق شرعي وقناعة راسخة لا تتزعزع تسكن في سويداء القلب وتستند إلى عدالة القضية، ولو قدر لنا أن نعود إلى العصور البدائية الأولى وعشنا حياة الضنك والفاقة لما تنازلنا عن أهدافنا ابدا ولما فرطنا في شبر واحد من أرضنا، فهذا الهدف الثابت والشموخ الأبدي لا يخضع لحسابات الربح والخسارة ولا يتأثر بوفرة السلاح أو انعدامه، بل هو يقين لا يداخله شك وعزيمة لا تكسرها لغة الأرقام أو موازين القوى المادية والعسكرية، فالمقياس الوحيد لدينا هو عودة الحق كاملا غير منقوص، ولا يضيرنا أن يكون الخصم مدججا بكافة أنواع العتاد بينما نقف نحن في مواجهته بصدور عارية إلا من الإيمان، ولا يهز من أركاننا أن يلتف العالم حول غريمنا ويسانده بينما نقف وحدنا في الميدان، فكل ذلك الضجيج العالمي والتحالفات المريبة لا تزيدنا إلا إصرارا وتصميما على نيل الاستقلال، وسقفنا يلامس السماء فلا نرضى بغير تحقيق الغاية الوطنية أو الموت دونها بشرف، فالنفوس الكبيرة لا تفتنها الهزائم ولا يتسلل إليها اليأس المحبط، لأنها تدرك أن عظمة الهدف تقتضي صبرا جميلا وجهادا مريرا لا يعرف الكلل ولا يقبل المساومة على الكرامة الوطنية التي هي أغلى من الروح وأبقى من زخرف الحياة الزائل.