الجمعة - 24 أبريل 2026 - الساعة 12:44 ص بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ رامي الردفاني
تشهد محافظات الجنوب العربي مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والعسكري، تتقاطع فيها مسارات الصراع المحلي مع حسابات إقليمية معقدة، في ظل مؤشرات متزايدة على محاولات لإعادة تشكيل موازين القوة على الأرض، بما يطال بشكل مباشر البنية العسكرية الجنوبية التي تشكلت خلال السنوات الماضية كأحد أبرز عوامل الاستقرار في الجنوب والمنطقة.
كما ان هذه التطورات لا تُقرأ في سياقها اللحظي فقط، بل تستحضر في الوعي الشعبي الجنوبي تجارب سابقة ما تزال آثارها حاضرة، خصوصًا تلك المرتبطة بإعادة إنتاج مراكز النفوذ عبر تفكيك القوى المنظمة وإعادة دمجها ضمن ترتيبات لا تعكس واقعها ولا تضحياتها ، وهو ما يفسر حالة القلق المتصاعد في الشارع الجنوبي، الذي يرى في أي مساس بالقوات الجنوبية مساسا مباشرا بأمنه ومستقبله السياسي.
"القوات الجنوبية .. من واقع الضرورة إلى معادلة الردع"
لم تأتِ القوات الجنوبية كنتاج ظرف طارئ، بل تشكلت في سياق مواجهة تحديات أمنية معقدة، استطاعت خلالها أن تفرض حضورها كقوة فاعلة في محاربة الإرهاب وتأمين المدن واستعادة الاستقرار. هذا الدور جعل منها عنصر توازن حقيقي في المشهد، وأكسبها ثقة واسعة في الأوساط الشعبية
غير أن هذا الحضور المتنامي، بحسب مراقبين، وضع هذه القوات في قلب معادلة صراع النفوذ السعودي والاحتلال اليمني، حيث تتقاطع المصالح بين أطراف تسعى إلى إعادة ضبط المشهد بما يتوافق مع رؤاها الخاصة، وهو ما يفتح الباب أمام محاولات لإضعاف هذه القوة أو إعادة توجيهها.
"التدخلات الإقليمية بين إدارة الأزمة وإعادة تشكيلها"
يلعب الفاعل الإقليمي دورا محوريا في اليمن عموما، وفي الجنوب على وجه الخصوص. إلا أن هذا الدور لا يُنظر إليه من زاوية واحدة، إذ تتباين القراءات بين من يراه ضرورة تفرضها تعقيدات الحرب، ومن يعتبره عاملًا يعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.
في هذا السياق، تبرز تساؤلات متزايدة حول طبيعة بعض التحركات التي يُعتقد أنها تسعى إلى إعادة هندسة المشهد العسكري، بطريقة قد تؤدي إلى تقليص استقلالية القرار الجنوبي، وهو ما يثير مخاوف من إضعاف أحد أبرز مكتسبات المرحلة الماضية.
"الذاكرة السياسية واستدعاء التجارب"
الحديث عن تشابهات مع مراحل سابقة، لا سيما ما قبل وبعد 1994، لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل تحول إلى إطار تفسيري يتبناه قطاع واسع من الجنوبيين لفهم ما يجري. فالتجربة التاريخية، بما حملته من تحولات دراماتيكية، ما تزال تشكل مرجعا في قراءة أي تحركات يُنظر إليها كتهديد لبنية القوات الجنوبية وان تكرار السيناريو ذاته، لكنه يعكس مستوى الحذر العالي، والوعي بخطورة التفكك الداخلي أو إعادة إنتاج مراكز نفوذ على حساب القوى التي نشأت من واقع ميداني مختلف.
"حرب الاستنزاف والبعد الاقتصادي للصراع"
إلى جانب التعقيدات العسكرية والسياسية، يواجه الجنوب ضغوطا اقتصادية متصاعدة، يرى كثيرون أنها تتجاوز كونها أزمة خدمية، لتدخل ضمن سياق أوسع من أدوات الضغط فالانهيار المعيشي وتدهور الخدمات لا يؤثران فقط على حياة المواطنين، بل يمتدان ليشكلا عاملا ضاغطا على المزاج العام، بما قد ينعكس على تماسك الجبهة الداخلية
ومع ذلك، أظهرت التجربة أن هذه الضغوط لم تُحدث الانكسار المتوقع، بل عززت لدى قطاعات واسعة قناعة بضرورة امتلاك القرار الاقتصادي والسيادي كمدخل لمعالجة جذور الأزمة.
"الاصطفاف الشعبي خط الدفاع الأول"
في مواجهة هذه التحديات، يبرز الاصطفاف الشعبي الجنوبي كعامل حاسم في حماية المكتسبات,, إذ لم يعد الشارع مجرد متلقٍ للأحداث، بل أصبح فاعلا رئيسيا يراقب ويقيّم ويتحرك وفق وعي متزايد بطبيعة المرحلة وهذا الوعي انعكس في القدرة على التمييز بين المطالب المشروعة ومحاولات استغلالها، وفي التمسك بوحدة الصف كخيار استراتيجي لا يقبل المساومة، وهو ما يشكل، بحسب مراقبين، العائق الأكبر أمام أي محاولات لإعادة تفكيك المشهد الجنوبي.
"مستقبل مفتوح ومعادلة لم تُحسم بعد"
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الجنوب يقف أمام مرحلة مفصلية، تتداخل فيها فرص تثبيت المكاسب مع مخاطر إعادة إنتاج الأزمات وبين هذا وذاك، تبقى معادلة القوة مرهونة بقدرة الفاعلين من الشعب الجنوبي وقواته المسلحة على الحفاظ على تماسكهم، وإدارة علاقاتهم الإقليمية بما يخدم مصالحهم، لا أن يكونوا جزءًا من صراعات الآخرين.
إن ما يجري لا يمكن اختزاله في حدث عابر، بل هو جزء من صراع أوسع على القرار والنفوذ، ستكون نتائجه حاسمة لصالح الجنوب العربي وشعبه في تحديد شكل المرحلة القادمة، ليس فقط في الجنوب، بل في مجمل المشهد اليمني.