الإثنين - 06 أبريل 2026 - الساعة 09:18 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
منذ ان وطات اقدام القوى المتسلطة ارض الجنوب العربي، والسيناريوهات الممنهجة لتركيع هذا الشعب العظيم لا تتوقف، بل تزداد ضراوة وقبحا مع مرور الزمن، مما يضعنا امام تساؤل جوهري ومؤلم حول التباين الصارخ في الوعي الجمعي والصلابة السياسية بين جغرافيا الشمال والجنوب، فحين ننظر الى المشهد في الشمال، نجد صمتا مطبقا من النخب والشعب تجاه تردي الخدمات وغياب الكهرباء والماء وتدهور الاوضاع المعيشية التي وصلت الى مستويات كارثية تفوق ما يعانيه الجنوب بمراحل، ومع ذلك هؤلاء يتمسكون بالجنوب بانيابهم واظافرهم، مستميتين في الدفاع عن احتلالهم لارض ليست ارضهم، وتاريخ ليس تاريخهم، في مفارقة عجيبة تعكس عقلية الهيمنة التي لا ترى في الجنوب الا غنيمة او فرعا يجب ان يعود للاصل مهما كان الثمن، بينما تتجلى في المقابل ظاهرة جنوبية محزنة تتمثل في نخب اعلامية وسياسية تحاول بكل دقة وخبث ان تحرف بوصلة النضال الجنوبي، من قضية تحرر وطني واستعادة دولة سيادية، الى مجرد مطالب حقوقية وخدمية بائسة، وكانهم يسعون لشرعنة وجود الاحتلال عبر مطالبته بفتات الرواتب والتيار الكهربائي، متناسين ان المطالبة بالحقوق من المحتل هي في جوهرها اعتراف ضمني بسيادته المزعومة وقبول بسلطته غير الشرعية.
فاستراتيجية سياسة الافقار والتركيع التي تتبعها القوى المهيمنة على الجنوبيين، ليست وليدة الصدفة، بل هي ازمات مفتعلة بدقة متناهية لاذلال الانسان الجنوبي وكسر ارادته، لكي ينصرف عن حلم الاستقلال الى البحث عن لقمة العيش وقطرة الماء، غير ان الحقيقة التي يجب ان تدركها هذه النخب المهرولة هي ان الكرامة تسبق الخدمات، والسيادة تتقدم على الرواتب، لان استعادة الدولة هي المفتاح الوحيد والتلقائي لحل كافة المعضلات المعيشية والخدمية، وما نراه اليوم من محاولات لتمييع القضية الوطنية الكبرى وحصرها في نطاق ضيق هو جريمة سياسية لا تغتفر، فالشمال الذي يتضور جوعا لا يثور ضد قياداته من اجل الخبز طالما ان الهدف هو الحفاظ على الوحدة القسرية، فلماذا يستسلم الجنوبي لمن يريد اخضاعه عبر رغيف الخبز. .. ولماذا يقبل الجنوبيون ان يكونوا اقل صمودا وتماسكا في مواجهة التحديات المصيرية ..
فالمقارنة هنا تفرض نفسها بمرارة، حينما ننظر الى جماعة الحوثي، التي رغم انقلابها وافتقارها للشرعية الشعبية والقانونية والقبول الدولي، الا انها لم تتنازل عن سقف مطالبها ولم تنقلب على مبادئها او قياداتها مقابل حفنة من "البناكس" في فنادق الرياض او غرف المفاوضات، بل ظلوا متمسكين بمشروعهم الانقلابي ككتلة صلبة، في حين نجد مع الاسف الشديد ان بعض الشخصيات التي فوضها الشعب الجنوبي وحملها امانة القضية، ما ان حطت رحالها في العواصم الخارجية حتى بدات تتملص من الالتزامات الوطنية، وراينا من يعلن حل المجلس الانتقالي الجنوبي او يوافق على تذويبه في كيانات هشة مقابل مكاسب شخصية زائلة، وهذا الانقلاب على التفويض الشعبي يمثل طعنة في خاصرة النضال الجنوبي الطويل، فكيف يمكن لمن يملك الحق والعدالة والارض ان يكون اضعف في الموقف ممن لا يملك الا الخديعة والسلاح. .
فنحن امام لحظة تاريخية فارقة تستوجب المصارحة والوضوح، فلا يمكن ان تستقيم الامور بينما يتم استخدام معاناة الناس كفزاعة لتقديم تنازلات سياسية سيادية، فالحرية ثمنها باهظ، والاوطان لا تستعاد بالاستجداء او بالبحث عن تحسين شروط العبودية، بل بالثبات على الموقف والتمسك بالهوية الوطنية الجنوبية التي لا تقبل القسمة ولا المساومة، وعلى هؤلاء الذين يحاولون اقناعنا بان الخدمات هي الاولوية ان يدركوا ان وطننا المحتل هو قضيتنا الوجودية، وان اية محاولة لفك الارتباط بين تحرير الارض وحياة الانسان هي محاولة فاشلة ومكشوفة تهدف الى اطالة امد الاحتلال تحت غطاء انساني زائف، فالشماليون، برغم عجزهم وجوعهم، يدركون ان السيطرة على الجنوب هي صمام امان لبقائهم، فكيف يغيب هذا الوعي عن بعض ابناء جلدتنا الذين يبيعون الوهم للشعب مقابل وعود خدمية لن تتحقق ابدا في ظل وجود منظومة الاحتلال الجاثمة على الصدور.