اخبار وتقارير

الأربعاء - 18 فبراير 2026 - الساعة 01:00 ص بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ تقرير/ مريم بارحمة


تشهد الساحة السياسية في الجنوب، وعلى وجه الخصوص العاصمة عدن، تصعيدًا غير مسبوق في الخطاب السياسي والميداني، عقب سلسلة بيانات متلاحقة صدرت عن هيئات وقيادات جنوبية متعددة، عبّرت جميعها عن موقف موحد رافض للتعيينات الحكومية الأخيرة وما رافقها من تحركات سياسية وعسكرية اعتُبرت- وفق تلك البيانات- محاولة لفرض واقع سياسي جديد يتجاوز الإرادة الجنوبية ويهدد معادلة الشراكة القائمة.
هذا التصعيد لم يأتِ بمعزل عن سياق سياسي وأمني متوتر، بل جاء متزامنًا مع حالة احتقان شعبي متصاعدة على خلفية أحداث شهدتها عدة محافظات بالجنوب، أبرزها شبوة وحضرموت والضالع، إضافة إلى تداعيات القصف الذي استهدف قوات جنوبية خلال الفترة الماضية، وهو ما جعل أي تحركات سياسية جديدة تُقرأ داخل الشارع الجنوبي باعتبارها جزءًا من صراع أوسع حول مستقبل الجنوب وشكل السلطة فيه.



-عدن في قلب العاصفة السياسية
البداية جاءت مع البيان الصادر عن الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي في العاصمة عدن، الذي حمل لهجة سياسية حادة، معلنًا رفضًا قاطعًا لتواجد وزراء شماليين معينين ضمن ما تُعرف بحكومة مجلس القيادة الرئاسي داخل حدود العاصمة.
البيان اعتبر أن التعيينات الأخيرة، وفي مقدمتها تعيين وزير دفاع جديد، تمثل تجاوزًا صريحًا للإرادة الجنوبية ونقضًا لأسس الشراكة السياسية، مشيرًا إلى أن استبدال وزراء جنوبيين بشخصيات من خارج النسيج الجنوبي يُعد خطوة استفزازية تمس جوهر التوازن السياسي الذي تشكل خلال السنوات الماضية.
كما ربط البيان بين هذه التعيينات وحالة الغليان الشعبي، مؤكدًا أن وجود تلك الشخصيات في العاصمة عدن قد يؤدي إلى توترات ميدانية نتيجة حساسية المرحلة وارتباطها بدماء الضحايا وأسر الشهداء، وهو خطاب يعكس انتقال الأزمة من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى الشعور الجمعي المرتبط بالذاكرة الصراعية.



-المقاومة الجنوبية.. خطاب تعبوي وتحذير ميداني

التصعيد السياسي لم يقتصر على المؤسسات السياسية، إذ أصدرت القيادة العليا للمقاومة الجنوبية بيانًا حمل طابعًا تعبويًا واضحًا، تحدث عن تحركات في مطار عدن الدولي وعمليات إنزال عسكري وعودة شخصيات سياسية وعسكرية اعتبرتها المقاومة محاولة لفرض واقع سياسي بالقوة.
البيان أعلن رفض عودة شخصيات قيادية في السلطة الحالية، محذرًا من أن شرعنة وجودها في عدن تمثل طعنة لدماء من سقطوا خلال سنوات الصراع. كما حمّل الجهات التي سهلت تلك التحركات مسؤولية أي تداعيات محتملة، مؤكدًا أن كل الخيارات متاحة للدفاع عن ما وصفه بمكتسبات الثورة الجنوبية.
هذه اللغة تعكس انتقال الخطاب من مستوى الاحتجاج السياسي إلى مستوى الردع الميداني، وهو مؤشر على ارتفاع منسوب التوتر واحتمال انزلاق الأزمة إلى مواجهات سياسية أو أمنية إذا لم يتم احتواؤها.



-لحج وحضرموت.. موقف موحد يتسع جغرافيًا

في محافظة لحج، أصدرت القيادة التنفيذية للمجلس الانتقالي بيانًا مماثلًا حذرت فيه من عواقب أي تواجد لوزراء شماليين في العاصمة عدن أو محافظات الجنوب، معتبرة ذلك استفزازًا مباشرًا للإرادة الشعبية.
البيان شدد على أن التعيينات الأحادية تمثل تجاوزًا واضحًا للإعلان الدستوري الصادر مطلع يناير 2026، ونقضًا لمبدأ الشراكة السياسية، مؤكداً أن الشرعية الحقيقية -بحسب نص البيان- تستمد من التفويض الشعبي الجنوبي.
أما في حضرموت، فقد جاء البيان أكثر تصعيدًا من حيث اللغة السياسية والرمزية، حيث ربط بين محاولات فرض شخصيات سياسية جديدة وبين تاريخ الصراع والضحايا الذين سقطوا خلال مراحل المواجهة المختلفة، مؤكداً رفض أي تواجد لقيادات عسكرية أو سياسية تُصنف معادية لتطلعات الجنوب.
كما دعا البيان إلى رفع مستوى الجاهزية الشعبية والاستعداد للمشاركة في فعاليات جماهيرية واسعة، في مؤشر على توجه نحو حشد سياسي وشعبي واسع لمواجهة التطورات.




-من البيانات إلى الحملة الرقمية

بالتوازي مع البيانات السياسية، أطلق ناشطون جنوبيون حملة إلكترونية واسعة تحت وسم #الجنوب_يرفض_العليمي_واتباعه، تحولت سريعًا إلى منصة خطاب سياسي جماعي. ركزت الحملة على عدة محاور رئيسية، أبرزها:
استحضار الذاكرة التاريخية للصراع منذ حرب 1994 وحتى الأحداث الأخيرة، والمطالبة بلجان تحقيق مستقلة في عمليات القصف والانتهاكات، والتأكيد على رفض فرض قيادات سياسية دون توافق شعبي، والدعوة إلى العدالة الانتقالية قبل أي ترتيبات سياسية جديدة.
الحملة الرقمية كشفت عن انتقال المواجهة من المؤسسات الرسمية إلى المجال العام، حيث أصبح الرأي العام لاعبًا مباشرًا في صياغة المشهد السياسي، وهو تطور يعكس تنامي تأثير الإعلام الرقمي في الصراعات السياسية المعاصرة.




-أزمة شراكة أم صراع شرعيات؟

البيانات المتتالية تعكس جوهر أزمة أعمق من مجرد خلاف حول تعيينات وزارية، إذ تشير إلى صراع متصاعد حول مفهوم الشرعية نفسها؛ بين شرعية تستند إلى قرارات السلطة المركزية، وأخرى تستند إلى التفويض الشعبي والقوة الميدانية كما تراها القوى الجنوبية. كما تكشف هذه التطورات عن هشاشة صيغة الشراكة السياسية التي تشكلت خلال السنوات الماضية، والتي باتت تواجه اختبارًا حقيقيًا في ظل تباين الرؤى حول إدارة محافظات الجنوب وتمثيلها السياسي.
من جهة أخرى، فإن تصاعد الخطاب المرتبط بالذاكرة التاريخية والضحايا يعكس تحول الصراع من مستوى سياسي تفاوضي إلى مستوى هوياتي، حيث تصبح القرارات الإدارية ذات دلالات رمزية تتجاوز بعدها الحكومي.



-احتمالات المرحلة القادمة

ويرى مراقبون أن المشهد الحالي يضع الجنوب أمام عدة سيناريوهات محتملة منها:
احتواء سياسي للأزمة عبر حوار يعيد ضبط معادلة الشراكة ويمنع التصعيد. استمرار التصعيد الإعلامي والشعبي بما يرفع الضغط السياسي دون انفجار ميداني.
انزلاق نحو توتر أمني في حال استمرار التحركات التي تُفسَّر كفرض واقع جديد.
المؤكد أن العاصمة عدن ومحافظات الجنوب تقف اليوم عند مفترق حساس، حيث تتقاطع الحسابات المحلية مع التعقيدات الإقليمية، بينما يزداد حضور الشارع الجنوبي كعامل حاسم في تحديد اتجاه الأحداث.



-لحظة سياسية مفصلية

تكشف البيانات الصادرة من عدن ولحج وحضرموت، إلى جانب خطاب المقاومة الجنوبية والحراك الإلكتروني الواسع، عن لحظة سياسية مفصلية يعيشها الجنوب، عنوانها الأبرز إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والتمثيل الشعبي.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو المرحلة القادمة مرهونة بقدرة الأطراف المختلفة على تجنب تحويل الخلاف السياسي إلى صدام مفتوح، خصوصًا في مدينة مثل عدن التي ظلت تاريخيًا مركز التوازنات وأيضًا نقطة اشتعال الأزمات الكبرى.
وبين التصعيد والتهدئة، يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل تشهد المرحلة المقبلة إعادة صياغة حقيقية لمعادلة الشراكة، أم أن الجنوب مقبل على فصل جديد من الصراع السياسي المفتوح؟