اخبار وتقارير

الأحد - 11 يناير 2026 - الساعة 05:50 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / تحليل / د. يحيى شايف ناشر الجوبعي:*

في مشهد شعبي غير مسبوق احتشد ملايين الجنوبيين اليوم في ساحة العروض ليعلنوا بصوت واحد لا يقبل التأويل رفضهم القاطع لمخطط العليمي بتحويل المملكة العربية السعودية من حليف في تحرير الجنوب إلى مشارك في احتلاله٠
لم تكن هذه المليونية مجرد تظاهرة غضب بل استفتاء شعبيا صريحا أسقط كل محاولات الالتفاف على إرادة الجنوب وكشف حجم السخط المتراكم تجاه مسار السياسات السعودية منذ نهاية العام ٢٠٢٥ وحتى اليوم ٠
لقد دخلت المملكة إلى الجنوب تحت راية التحالف العربي في معركة مصيرية هدفت إلى إسقاط المشروع الإيراني الحوثي المدعوم من الإرهاب الإخواني والذي كان يستهدف الجنوب بوصفه بوابة للعدوان على أمن المملكة والمنطقة ٠
وقدم الجنوب في تلك المعركة تضحيات جسيمة وكان شريكا ميدانيا حقيقيا في التحرير غير أن ما جرى لاحقا مثل انحرافا خطيرا عن هذا المسار حين بدأت المملكة بفعل استدراج سياسي معقد تتبنى سياسات تتناقض مع مفهوم الشراكة وتتماهى مع أدوات الاحتلال اليمني عبر فرض الوصاية والتحكم بالقرار السيادي الجنوبي بهدف إعادة تدوير قوى معادية لمشروع الجنوب تحت مسميات الشرعية وإعادة التوازن .
إن ما يعيشه الجنوب اليوم لم يعد خلافا في التقدير ولا سوء فهم عابر بل نتيجة مباشرة لمخطط إيراني حوثي إخواني يسعى إلى تفكيك التحالف العربي من الداخل عبر تعطيل معركة تحرير الشمال وتحويل مسار الحرب باتجاه الجنوب والمملكة وصولا إلى محاولة مقايضة أمن المملكة بتمكين الحوثي من ثروات الجنوب وهو مخطط عملت أطراف إقليمية من بينها عمان على تمريره سياسيا فيما تولى رشاد العليمي لعب دور الأداة التنفيذية له باسم الشرعية ٠
وفي هذا السياق يثمن الشعب الجنوبي الدور الإماراتي الذي حاول إفشال هذا المخطط عبر تحريك الجبهات ضد الحوثي في مقابل مسار آخر من قبل إيران وسلطنة عمان جرى فيه استدراج المملكة إلى خطوات خطيرة شملت استهداف القوات المسلحة الجنوبية التي حررت حضرموت والمهرة ومحاولات إعادة هيكلة الجنوب عسكريا لصالح قوى ذات ولاءات مزدوجة والسعي لإقصاء القيادة السياسية والعسكرية للمجلس الانتقالي الجنوبي وفي مقدمتها الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية وصولا إلى قرارات وتصرفات تجاوزت السياسة إلى التهديد المباشر والاستهداف العسكري.
ومنذ نهاية ٢٠٢٥م شهد الجنوب تصعيدا ممنهجا في التدخلات السياسية والعسكرية شمل تفريغ مؤسسات الجنوب من مضمونها وتعطيل إرادته الوطنية ومحاولة استخدام الأزمات المعيشية كسلاح ضغط وإدارة المشهد بما يخدم أجندات خارجية لا تمت لتضحيات الجنوبيين ولا لأمن المنطقة بصلة ٠
وهي ممارسات لا تختلف في جوهرها عن سياسات الاحتلال اليمني التي ثار ضدها الجنوب تاريخيا مهما تغيرت الشعارات أو الأسماء.
إن ما يرفضه الشعب الجنوبي اليوم ليس العلاقات الأخوية مع المملكة ولا التعاون العربي المشترك بل يرفض الهيمنة المغلفة بخطاب الدعم ويرفض أن تتحول تضحياته إلى غطاء لمشاريع نفوذ إيرانية أو إخوانية تدار بأدوات محلية ٠
فالشراكة الحقيقية تقوم على الندية والاحترام المتبادل والتحرير لا يستكمل بإعادة إنتاج السيطرة بأقنعة جديدة.
لقد وجهت المليونية رسالة حاسمة لا لبس فيها بأن الجنوب ليس ساحة مستباحة ولا ورقة تفاوض ولا ممرا لمشاريع المقايضة الإقليمية وأي طرف يتجاوز إرادة الشعب الجنوبي أو يتعامل مع أرضه وثرواته كمنطقة نفوذ إنما يضع نفسه صراحة في خانة الاحتلال مهما حاول تغيير العناوين أو تبرير الأفعال.
إن الشعب الجنوبي الذي أسقط مشاريع وصاية الاحتلال اليمني بالأمس وواجه المشروع الإيراني الحوثي لقادر اليوم على إسقاط أي صيغة جديدة للاحتلال أو الهيمنة.
وهو اليوم أكثر وعيا وتنظيما وإصرارا على حماية سيادته وحقه المشروع في تقرير مصيره ٠
وما يطلب اليوم من المملكة العربية السعودية الشقيقة أن تستدرك حجم الاستدراج الذي تعرضت له من قبل العليمي وحلفاؤه الشيعة والإخوان وتعود إلى موقع الحليف الحقيقي والشريك الصادق للجنوب حتى لا يترجم استدراجها بمفاهيم تخدم الاحتلال اليمني الذي لازال الشعب الجنوبي في صراع معه بكل الوسائل المشروعة حتى استعادة الحق السيادي للجنوب ٠


*أكاديمي ومحلل سياسي