اخبار وتقارير

الجمعة - 23 نوفمبر 2018 - الساعة 11:44 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / علي الشجيفي :

في شهر يناير من عام 1839م، أقدمت بريطانيا ، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، على احتلال ميناء صيرة ومدينتها.
جاء القبطان "هينز" وتقدم بسفنه يوم 16 يناير ، فتصدى لهم المدافعون ورجعوا بسفنهم وجنودهم خائبين ، وكان لقلعة صيرة الشامخة الأبية دورًا كبيرًا في كسر الحملة الأولى للقبطان هينز التي لاذت سفنه بالابتعاد عن الجزيرة إلى مياه البحر بعيدا عن مرمى مدافع القلعة، وعلى مدى ثلاثة أيام ظل هينز في حيرة من أمره مما شاهده من شجاعة واستبسال لدى المقاومين اليمنيين.
وأعاد خطته وحساباته ودرس مع ضباطه الموقف من جديد فأقروا خطتهم الجديدة وعادوا بسفنهم وقواتهم يوم 19 يناير 1839م، ودفعوا بجنودهم للنزول إلى ساحل الميناء فكان لهم المدافعون بالمرصاد وتصدوا لهم بشجاعة واستبسال بأسلحتهم البدائية وبالسلاح الأبيض ، وخاض المدافعون ملحمة بطولية شهد لها المحتلون أنفسهم.
ولكن فارق التقنية في العدة والعتاد رجح الغلبة لصالح البريطانيين بعد أن قدم المدافعون ما يربو عن 200 مقاتلًا بين شهيد وجريح.
ولعله من المفيد العودة إلى عدة قرون قبل الاحتلال البريطاني لعدن ، فقد تعرضت عدن لنحو 30 غزوة برية وبحرية ، وأشهر تلك الغزوات : غزوة ملك قيس ، والغزوتين البرتغاليتين في القرن السادس عشر 1513م.

ماذا يعني اسم (صيرة)؟!
يقول الأستاذ/ عبدالله محيرز في كتابه القيم الذي حمل اسم (صيرة): "أن (صير) اسم لجبل، ويرد في أرجوزة (الرفيق النافع) اسم صيرة لجبل في ميناء مسقط ، وتضيف القواميس للكلمة معاني أخرى ، ولا يرد أيضا في تاريخ اليمن لـ (عمارة اليمني) الذي عاش حتى منتصف القرن السادس الهجري، وإن أشار ضمنيا إلى الموقع الذي ترسو فيه السفن.
ويرد في وثائق الجنيزة اسم صيرة كجبل وجزيرة، وهي أول مرة ورد فيها الاسم مكتوبا فيما هو متوفر من وثائق ولكنها لا تطلقه على الميناء، بل على الجبل وحده، ونشر (جوتاين) وثيقتين لبعض تجار الكارمية هما جزآن من وثائق الجنيزة عن غزوة ملط (قيس) لعدن ، وعلق عليها بدراسة تحليلية لها مع ما ورد عند ابن المجاور عن هذه الغزوة ، وتفيد هذه الوثائق أن السفن المهاجمة رست في (مكلا عدن) أي في مينائها ، وأن جنودها نزلوا في صيرة (الجبل) بعد أن استولوا عليها وأهل المدينة في البر ؛ أي على الساحل. كما يكرر ابن المجاور بعد قرن تقريبا هذا التمييز أيضا ويفيد أن سفن الغزاة رست في مرسى عدن تحت جبل صيرة، وقد درجت المصادر التراثية على التعبير عن المدينة باسم (ثغر عدن) أو (الثغر المحروس) وعلى مرساها هذا الخليج تحت جبل صيرة (البندر) أما غيره من بنادر عدن فيضاف إليها ما يميزه عنه وعن بعضها ، كـ: بندر حقات وبندر ضراس المجاور له ، وأطلقت صيرة على الجبل والخليج نفسه وساحله ، ومع بقاء اسم الجبل، كما هو إلى اليوم ، تفنن الناس في تسمية هذا الخليج ، فسمي كما سبق بـ (مكلا عدن) و(مكلا صيرة) و(البندر) ، وهو اسم بقي إلى اليوم يطلقه شيوخ الصيادين على رأس صيرة نفسه، وأضيفت إليه أسماء أخرى بعد الاحتلال البريطاني فسمي بـ (الخليج الأمامي) و (الخليج الشرقي) و(الخليج الداخلي) كما أضيف إليه اسم رابع بعد أن أقيمت على ساحله المنشآت العسكرية بعد احتلال الإنجليز للمدينة ، وهو اسم Regiment ، وحرفت هذه التسمية إلى (الرزميت) وأطلق على الخليج (خليج الرزميت) ، وفي الواقع اقتصر هذا الاسم على نصفه الشمالي باتجاه سلسلة المنصوري، بينما استمر الناس بتسمية الجزء الجنوبي بـ (ساحل صيرة).
ويمضي بامحيرز في كتابه (صيرة) :"إنه لو أمكن لجبل صيرة أن يتحول رأسه الجنوبي عند جبل حقات إلى نقطة ارتكاز وتزحزح رأسه الشمالي تدريجيا حول هذه النقطة ، لأمكن أن يصل إلى جبل المنصوري تقريبا ويغلق الدائرة التي تكون فوهةً لبركان، ولا يعرف متى أو أي نوع من الزلازل قذفت به هذه المسافة وسببت هذه النافذة على العالم لتجعل من عدن هذا الثغر العريق بدلا من فوهة بركان خامد شبيه بفوهة أخرى على البحر بالقرب من (بئر علي) يشرب ماء البحر من قعرها فتبدو من الجو بحيرة زرقاء".
وتظهر مدينة عدن للقادم من البحر في اتجاه صيرة كأنها - كما وصفها مصدر أجنبي في مطلع القرن الثامن عشر - أشبه بقوس ، وترى ساحل صيرة وهو الممتد من سطح جبل حقات شرقًا إلى سفح سلسلة المنصورة غربًا ، ومن الصعب تخيل حالة هذا الساحل في سابق عهده قبل انتشار المعسكرات والقصور والمستشفيات والمنازل السكنية عليه ، فإن ما حدث له خلال الحقب الماضية لاشك قد غيّر معالمه الأصيلة نهائيا ، ويمكن لمن يزور الموقع حاليا أن يلاحظ موج البحر في الحالات العادية وقد وصل بفتور إلى الساحل الحالي وهو في أجزاء منه عبارة عن أكوام من التراب أو منشآت ظهرت تدريجيا منذ احتلال المدينة ، أما في حالة الجزر فلا يكاد يصل إلى نهاية الطريق الممتد إلى الجزيرة، وقد تكلمت المصادر التراثية عن عنف الأمواج التي تأتي من ناحية رأس (شرشورة) فتعبث بالمراكب في الميناء وتشكل خطرًا عليها، فتم بناء حواجز مائية حجرية لكسر حدتها فأصبح المرسى آمنا وعند هدمها من قبل الأهالي ظنًا منهم أنه لا أهمية لها عادت الأمواج إلى سابق عهدها فاضطروا إلى إعادة بنائها.
وذكرت كتب الرحلات والتجار الذين زاروا عدن عند مطلع القرن التاسع عشر عن وجود لسان آخر في رأس جبل صيرة شبيه بالأول في رأس شرشورة لحماية المرسى والسفن من الناحية الجنوبية، أيضا والذي وصفه (ابن الديبع) بأنه عندما اشتد الأزيب (موسم الرياح) ثارت هذه الأمواج واضطربت حتى بلغت درجات باب المدينة البحري ، وعزا القائد البرتغالي (البوكرك) فشل جيشه بتسلق سور عدن إلى عنف الأمواج عند المد إلى السور، وعندما زارت سفينة اليسوعيين عدن في طريقها إلى الحبشة أيام الأمير حسين عبدالقادر أمير خنفر وعدن ، وصف خليج صيرة من جانبه الشرقي أنه يوجد فيه ماء كافٍ لترسو عدة سفن قريبًا عن الشاطئ محمية من الرياح، وعندما زار Lurogue المدينة عام 1709م، كان أحد مهندسي البحرية البريطانية Kromil وضع مخططًا كاملًا لهذا المرسى في عام 1718م، قبل قرن وعشرين عاما من احتلال عدن، شمل تقديرات دقيقة لأعماقه في مواقع متعددة وكان عمقه قريبًا من السور حوالي ثلاثة أقدام في موقع لا يصل إليه الماء على الإطلاق.
فقد كتب Wolsted عام 1835م (أربع سنوات قبل الاحتلال البريطاني لعدن)، يصف هذا الميناء وما وصل إليه حاله : "ومن هذا الميناء لم يبقَ إلا قناة ضيقة ذات عمق كافٍ لسبع أو ثمان بغلات أن ترسو فيه أما بقية الميناء فقد ابتلعته الرمال التي يبدو أنها تراكمت فيه في وقت قصير جدًا فلا يزال يُرى صار سفينة تركية قديمة فوق الرمال التي دفعتها في نفس الموقع التي رست فيه ، وكان الماء فيه عميقا قبل 30 سنة ، ولا يزال بعض القدماء الكبار في السن من الأهالي يتذكرون رسوّ السفن الكبيرة لتفرغ حمولتها في المرسى الذي لا يمكن أن تصل إليه الآن أصغر سفينة ، فما هي التحولات البيئية والمناخية والجغرافية التي أدت بهذا الموقع الفريد أن يتحول في وقت قصير إلى سنجة تعجز أن تجابه التحديات التي يفرضها التطور الملاحي في العالم؟!".
وتساءل الكاتب قائلا :" وما الذي حدث لهذا الميناء الشهير الذائع الصيت الذي صمد لعوادي الزمن ونافس أشهر الموانئ حقبا من الدهر، وقاوم أعنف الغزوات للسيطرة عليه ليتحول في نهايته إلى خليج بائس وحزين لاصطياد السمك بعد أن استضاف خلال تاريخه أضخم السفن وانقلبت فرضته التي أفرغت السفن حمولتها من فاخر الملابس وأغلى العطور وأثمن الجواهر إلى رمال بنى عليها الاحتلال البريطاني المعسكرات والثكنات ، فلا يمكن لما حدث أن يفسر بإهمال المدينة أو أولياء الأمر فيها لهذا المرسى ، وإن كانت هذه الفترة فترة تدهور وانحطاط قبيل احتلالها بسنوات".