4 مايو/ تقرير/ مريم بارحمة
احتشدت جماهير غفيرة في العاصمة عدن، يوم الثلاثاء 1 سبتمبر 2026م، لإحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، في مليونية جماهيرية واسعة احتضنتها ساحة العروض بمديرية خور مكسر، بمشاركة أبناء مختلف مديريات العاصمة عدن ومحافظات الجنوب.
وحملت المليونية، التي جاءت احتفاءً بتاريخ الجيش الجنوبي وتضحيات منتسبيه، أبعادًا وطنية وعسكرية وسياسية، عكست مكانة القوات المسلحة الجنوبية في الذاكرة الجمعية لأبناء الجنوب، وقدمت رسائل سياسية إلى الداخل والخارج بشأن قضية الجنوب ومستقبلها، وموقف المشاركين من أي ترتيبات تستهدف، إضعاف القوات المسلحة الجنوبية أو الانتقاص من القرار الجنوبي.
ورفعت الجماهير أعلام الجنوب العربي وصور الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، ورددت شعارات مؤيدة للقيادة السياسية والعسكرية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، مؤكدة تمسكها بقضية شعب الجنوب وثوابتها السياسية، وبالقوات المسلحة والأمن باعتبارهما، من أبرز المكتسبات الوطنية الجنوبية.
_ الزُبيدي: القوات المسلحة الجنوبية حصن الجنوب
استهل الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي رسالته بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي باستحضار التاريخ العسكري والتضحيات التي قدمها منتسبو القوات المسلحة الجنوبية عبر مراحل مختلفة.
وأكد الزُبيدي أن هذه المناسبة تستحضر تاريخًا حافلًا بالتضحيات والانتصارات والملاحم البطولية، معتبرًا أن ما قدمه منتسبو القوات المسلحة في الماضي والحاضر يمثل إرثًا عسكريًا ووطنيًا راسخًا.
وأشار إلى أن الجيش الجنوبي تعرض، لتدمير ممنهج عقب حرب صيف 1994م، لكنه أوضح أن القوات المسلحة الجنوبية الحديثة انبثقت من رحم المقاومة الجنوبية، وتمكنت من إعادة بناء قدراتها وتطوير أدائها القتالي والعملياتي خلال فترة زمنية قصيرة.
وأوضح الرئيس القائد أن القوات الجنوبية استطاعت تنفيذ مهام نوعية وتأمين مناطق واسعة من الجنوب، مشيرًا إلى الانتشار المنظم في محافظتي حضرموت والمهرة، وما رافقه من عمليات لمواجهة التنظيمات الإرهابية وقطع طرق تهريب الأسلحة والمخدرات وتعزيز الأمن والاستقرار.
وأكد الزُبيدي أن تلك العمليات أسهمت، في تجنيب الجنوب ودول الجوار مخاطر الجماعات الإرهابية والأنشطة المرتبطة بالتهريب والتقطع والقتل.
وفي سياق حديثه عن التطورات العسكرية الأخيرة، انتقد الرئيس القائد استهداف القوات الجنوبية بالطيران وإجبارها على ترك مواقعها، مؤكدا أن ذلك أتاح الفرصة أمام عودة التنظيمات الإرهابية إلى أوكارها.
وشدد الزُبيدي على أن القوات المسلحة الجنوبية ستظل، الحصن المنيع والسياج الحصين للدفاع عن الجنوب وحماية أرضه وتأمين حدوده وتحقيق تطلعات شعبه.
كما أكد استمرار دور القوات المسلحة الجنوبية كشريك محوري في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي، ومواجهة مخاطر الإرهاب والتهريب، والمساهمة في حماية الملاحة الدولية، في ظل التهديدات التي تواجه المنطقة وممراتها البحرية.
وتحمل كلمة الزُبيدي دلالة سياسية وأمنية متداخلة؛ إذ تربط بين بناء القوات المسلحة الجنوبية وبين حماية الجنوب، وتقدم دورها بوصفه جزءًا من منظومة أمنية أوسع تتصل بمكافحة الإرهاب والتهريب وحماية الملاحة الدولية.
_ مناسبة عسكرية بامتداد سياسي
استعادت المليونية محطات بارزة من تاريخ المؤسسة العسكرية الجنوبية منذ تأسيس الجيش الجنوبي، مرورًا بما تعرضت له المؤسسة عقب حرب صيف 1994م، وصولًا إلى القوات المسلحة الجنوبية الحديثة التي تمثل امتدادًا تاريخيًا ومهنيًا للمؤسسة العسكرية الجنوبية.
لكن دلالات المناسبة تجاوزت استحضار الماضي؛ إذ ركزت الكلمات التي ألقيت أمام الحشود على أهمية الحفاظ على القوات المسلحة الجنوبية وتماسكها، وربط دورها بحماية الجنوب ومواجهة الإرهاب والتهديدات العسكرية والأمنية.
ومن هذا المنطلق، ظهرت المليونية كفعالية تحمل بعدًا سياسيًا واضحًا إلى جانب بعدها العسكري، خصوصًا مع تأكيد المشاركين دعم القيادة السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، والتمسك بثوابت قضية الجنوب.
_ الحالمي: الحشد يجدد الالتفاف حول قضية الجنوب
وأكد الأستاذ وضاح الحالمي، الأمين العام للأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، أهمية إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، باعتبارها مناسبة تستحضر تاريخ المؤسسة العسكرية الجنوبية وتضحيات منتسبيها.
وأشاد بالحضور الجماهيري الكبير في ساحة العروض، معتبرًا أن الحشد يمثل تعبيرًا عن الوفاء لتاريخ الجيش الجنوبي، ورسالة سياسية ووطنية تؤكد تمسك أبناء الجنوب بقضيتهم وثوابتهم.
وشدد الأستاذ الحالمي على أهمية تعزيز وحدة الصف والتلاحم الشعبي والسياسي، ومواصلة الجهود لتحقيق تطلعات أبناء الجنوب في ظل التحديات والمتغيرات التي تشهدها الساحة الجنوبية.
_ اللواء زنقل: الحفاظ على القوات المسلحة وصون مكتسباتها
وتناول اللواء صالح زنقل، رئيس الهيئة العسكرية العليا للجيش والأمن الجنوبي العربي، في كلمة الجيش الجنوبي، واقع المؤسسة العسكرية في الماضي والحاضر، مستعرضًا محطات تاريخية وما مرت به من تحديات.
وأكد أن إحياء ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي يجسد مكانة المؤسسة العسكرية في وجدان أبناء الجنوب، مشددًا على ضرورة الحفاظ على القوات المسلحة والأمن الجنوبية وصون مكتسباتها.
وحذر اللواء زنقل من محاولات تستهدف، تدمير أو تمزيق القوات المسلحة والأمن الجنوبية، مؤكدًا أن هذه المحاولات لن تنال من إرادة أبناء الجنوب أو من تمسكهم بمؤسساتهم العسكرية والأمنية.
وأشار كذلك إلى أن المرحلة المقبلة تحمل تطورات مهمة، متحدثًا عن تحركات حاسمة قد تشهدها الساحة الجنوبية خلال الأسابيع المقبلة.
_ النقيب: التلاحم الجنوبي في مواجهة التحديات
وشدد الشيخ عبدالرب النقيب، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ومرجعية أبناء الجنوب، على ضرورة تعزيز وحدة الصف والتلاحم الشعبي والسياسي.
واستعرض الشيخ النقيب مسيرة الجيش الجنوبي منذ تأسيسه، مشيدًا بالتضحيات التي قدمها منتسبو القوات المسلحة الجنوبية والانتصارات التي حققتها في مراحل مختلفة.
كما وجه انتقادات إلى السياسات السعودية تجاه الجنوب، محملًا السعودية، مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية ومحاولات تفكيك القوات المسلحة الجنوبية.
_ الزامكي: القوات المسلحة صمام أمان الجنوب
وأكد الأستاذ خالد الزامكي، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ورئيس القيادة المحلية للمجلس في العاصمة عدن، الدور المحوري الذي تضطلع به القوات المسلحة الجنوبية في حفظ الأمن والاستقرار.
ووصف الأستاذ الزامكي القوات المسلحة الجنوبية بأنها صمام أمان الجنوب وحصنه المنيع، مؤكدًا رفض انخراطها في أي حرب لا تخدم أهداف الجنوب.
وشدد على أن مهمة القوات الجنوبية، تتمثل في حماية أرض الجنوب والدفاع عن شعبه ومواجهة التهديدات الإرهابية والاعتداءات التي تستهدف أمنه ومكتسباته.
كما أكد التمسك بالهوية الجنوبية ورموزها الوطنية، مشددًا على أن علم الجنوب العربي والنشيد الوطني والهوية الجنوبية تمثل ثوابت لا يمكن التخلي عنها.
_ مهدي: تطورات مرتقبة على الساحة الجنوبية
وتناول العميد عبدالله مهدي سعيد، رئيس القيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي في الضالع، التطورات السياسية والعسكرية التي تشهدها الساحة الجنوبية.
وأشار إلى محاولات سلطات الوصاية السعودية خلط الأوراق وتمزيق الجنوب واستهداف مكتسباته، مؤكدًا أن تلك المحاولات لم تتمكن، من كسر إرادة أبناء الجنوب.
وتحدث العميد مهدي عن قرب الحسم، مشيرًا إلى أن الأسابيع القادمة قد تشهد تطورات مهمة ستغير مجريات الأحداث على الساحة الجنوبية.
_ البيان السياسي.. القوات المسلحة منجز وطني سيادي
أصدرت مليونية الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي بيانًا سياسيًا حمل جملة من المواقف المتعلقة بالمسارين العسكري والسياسي.
وأكد البيان أن القوات المسلحة الجنوبية تمثل، الامتداد التاريخي والوطني والمهني للجيش الجنوبي، مشيرًا إلى أدوارها في مواجهة التنظيمات الإرهابية والتهريب، وإسهامها في حماية أمن الملاحة الدولية في باب المندب وخليج عدن والبحرين الأحمر والعربي.
وأكد المشاركون في البيان عهدهم بالحفاظ على القوات المسلحة الجنوبية باعتبارها منجزًا وطنيًا جنوبيًا سياديًا غير قابل للتفريط، وتجديد الوفاء للشهداء والتمسك بالقيادة السياسية ممثلة بالرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي.
_ اتهامات للسعودية ورفض التدخلات
تضمن البيان موقفًا حادًا تجاه المملكة العربية السعودية، إذ اتهمها بتنفيذ عملية عسكرية ضد القوات الجنوبية في مطلع يناير الماضي، واكد أن تداعيات تلك العملية أدت، إلى تقوية الحوثيين والجماعات الإرهابية.
كما رفض البيان المخططات الرامية إلى تدمير القوات المسلحة الجنوبية وتفكيك وحداتها واستهداف إنجازاتها، مؤكدًا أن قرار الحرب والسلم يجب أن يظل قرارًا سياديًا جنوبيًا تحكمه المصلحة الوطنية العليا.
ويعكس هذا الطرح انتقال الخطاب من الدفاع عن المؤسسة العسكرية إلى التأكيد على استقلالية القرار السياسي والعسكري، وهو ما يمثل أحد أبرز محاور الرسائل التي حملتها المليونية.
_ المجالس التنسيقية وصراع التمثيل السياسي
انتقد البيان المجالس التنسيقية، معتبرًا أنها، محاولات لإضعاف حامل قضية الجنوب وإعادة إنتاج القوى السياسية اليمنية داخل الجنوب.
وأشاد البيان بمواقف أبناء حضرموت الرافضة للمشاريع السياسية المفروضة، معتبرًا أن الحفاظ على القرار الجنوبي يتطلب وحدة الصف وتماسك الموقف الشعبي والسياسي.
كما ربط البيان بين التطورات الراهنة وتداعيات حرب صيف 1994م، معتبرًا أن ما يجري في الجنوب يمثل، محاولة لإعادة إحياء قوى تلك المرحلة بأدوات سياسية وعسكرية وقبلية مختلفة.
_ الملف الحقوقي في صلب الرسائل السياسية
تطرق البيان كذلك إلى الاعتقالات والانتهاكات بحق ناشطين وقيادات جنوبية، محملًا السلطات السعودية، مسؤولية القمع وعسكرة الحياة السياسية.
ودعا البيان المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى رصد وتوثيق الانتهاكات، لإيصال الملف الجنوبي إلى نطاق أوسع يتجاوز الساحة المحلية.
_ الاستقلال واستعادة الدولة
جدد البيان التأكيد على التمسك بأهداف الثورة الوطنية التحررية، وبمضامين البيان السياسي والإعلان الدستوري الصادرين في 2 يناير 2026م.
وأكد أن تلك الوثائق تمثل، مسارًا لتحقيق تطلعات أبناء الجنوب في الاستقلال واستعادة وبناء الدولة الجنوبية على كامل التراب الجنوبي ضمن حدود عام 1990م.
وتوضح هذه الرسالة أن المليونية لم تفصل بين ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي وبين المشروع السياسي؛ إذ قدم المشاركون القوات المسلحة باعتبارها أحد مرتكزات حماية الجنوب ومكتسباته، بينما جرى تقديم قضية الجنوب باعتبارها الإطار السياسي الأوسع الذي تتحرك داخله هذه المؤسسة.
_ ثلاث رسائل رئيسية من مليونية عدن
تكشف القراءة السياسية لمجمل المشهد عن ثلاث رسائل أساسية حملتها المليونية.
أولًا: الرسالة العسكرية والأمنية، وتمثلت في التأكيد على أهمية الحفاظ على القوات المسلحة الجنوبية وتماسكها، وتقديمها باعتبارها قوة مسؤولة عن حماية الجنوب ومواجهة الإرهاب والتهريب والتهديدات الأمنية.
ثانيًا: الرسالة السياسية، وتمثلت في تجديد الدعم للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقيادته، والتأكيد على وحدة الصف والتمسك بثوابت قضية الجنوب ورفض أي ترتيبات يرى المشاركون أنها تنتقص من القرار الجنوبي.
ثالثًا: الرسالة الإقليمية والدولية، وتمثلت في التأكيد على ارتباط أمن الجنوب بأمن الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب والتهريب، إلى جانب توجيه رسائل واضحة إلى الأطراف الإقليمية بشأن رفض التدخل في القرار الجنوبي.
_ مليونية تجمع الذاكرة بالحاضر والمستقبل
تكشف مليونية الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي في العاصمة عدن عن مناسبة تجاوزت الطابع الاحتفالي إلى مشهد سياسي وعسكري متكامل.
فاستحضار تاريخ الجيش الجنوبي لم يكن مجرد عودة إلى الماضي، بل جاء مرتبطًا بتجربة القوات المسلحة الجنوبية الحديثة، وأهمية الحفاظ عليها بوصفها أحد أبرز المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
وعكست الكلمات والبيان حجم التداخل بين الملف العسكري والقضية السياسية، إذ أصبحت القوات المسلحة في الخطاب الجماهيري جزءًا من معادلة حماية الجنوب والقرار السياسي، بينما أصبحت قضية الجنوب الإطار الذي يمنح هذا الخطاب أبعاده السياسية.
وفي الوقت ذاته، كشفت المواقف المعلنة عن تصاعد حدة الخطاب تجاه الدور السعودي، وعن رفض المشاركون التدخلات الخارجية ومحاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في الجنوب.
وبينما ركز الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي على تاريخ القوات المسلحة الجنوبية وأدوارها في حماية الجنوب ومكافحة الإرهاب والتهريب والمساهمة في حماية الملاحة الدولية، حمل البيان السياسي للمليونية رسائل أكثر اتساعًا، شملت السيادة والقرار السياسي، ورفض الوصاية، والحفاظ على القوات المسلحة، والتمسك بأهداف قضية الجنوب.
وهكذا، حملت مليونية 1 سبتمبر 2026م في العاصمة عدن عنوانًا عسكريًا، لكنها في مضمونها قدمت مشهدًا سياسيًا متكاملًا؛ مشهدًا أعاد التأكيد على الارتباط بين الذاكرة العسكرية الجنوبية والحاضر السياسي، وبين حماية المؤسسة العسكرية وبين مستقبل قضية الجنوب.
وفي المحصلة، بدت الرسالة الأبرز للمليونية واضحة في ثلاثة عناوين متداخلة: جيش جنوبي يُراد الحفاظ عليه، وقضية جنوبية يُراد تثبيت حضورها، وقرار سياسي يؤكد المشاركون ضرورة أن يبقى جنوبيًا بعيدًا عن الوصاية والتدخلات الخارجية.
وبذلك أعادت ساحة العروض في العاصمة عدن، في الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، وضع المؤسسة العسكرية في قلب المشهد السياسي والأمني، وربطت تاريخها بتضحيات منتسبيها، وحاضرها بالتحديات الراهنة، ومستقبلها بالتصورات السياسية التي يحملها شعب الجنوب تجاه قضيتهم ومستقبل الجنوب.