الجمعة - 20 مارس 2026 - الساعة 09:56 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ حافظ الشجيفي
من يتأمل المشهد السياسي في الجنوب، لا يحتاج إلى كثير من الفطنة ليدرك أن اللعبة تتجاوز حدود المعلن، وتغوص في وحل من المناورات التي تستهدف كسر إرادة الشعوب قبل كسر شوكة التنظيمات، فنحن أمام مشهد عبثي تحاول فيه القوى الإقليمية، وتحديدا الشقيقة الكبرى، أن تعيد صياغة الواقع الجنوبي وفق مقاسات أجنداتها الخاصة، التي تصطدم على نحو مروع مع طموح شعب قرر منذ أمد بعيد أن استعادة دولته واستقلاله هما المبتدأ والخبر في كتاب نضاله وسجلات وجوده، والحقيقة التي لا مراء فيها أن الجنوب اليوم يعيش حالة من التلاحم الوطني والسياسي الفذ، حيث تنصهر التباينات في بوتقة واحدة هدفها السيادة، ويحيا الناس من أقصى الأرض إلى أقصاها في تناغم منقطع النظير حول غاية لا تقبل القسمة على اثنين، وهذا التوافق الوطني التام والانسجام الشعبي الشامل يؤرق مضاجع الذين يرون في استقلال الجنوب خطرا على مصالحهم الضيقة، أو عائقا أمام طموحاتهم التوسعية، فكان لزاما عليهم أن يبدأوا رحلة البحث عن ثغرة في جدار هذا الصمود الصلب.
حيث تدرك الرياض يقينا أن مواجهة شعب موحد خلف قيادة فوضها، متمثلة في المجلس الانتقالي، هي معركة خاسرة بكل المقاييس المنطقية، ومن هنا انبثقت خطة التفكيك الممنهج، والعمل الدؤوب على إضعاف تلك المؤسسة السياسية والاجتماعية التي باتت صوتا للحق الجنوبي، فبدأت عمليات العبث بالإرادة من خلال محاصرة المجلس وتجفيف منابع تمويله، وإغلاق مقراته وتعطيل أدواته، بل ووصل الأمر إلى محاولة تشويه صورته أمام جماهيره، بالتوازي مع استهداف قواته المسلحة التي تمثل الدرع والضمانة للوصول إلى الأهداف المنشودة، وما دعوة السعودية لحوار جنوبي في هذا التوقيت بالذات إلا محاولة مكشوفة للالتفاف على التطلعات الشعبية، فهي تعلم أن جلوس الأطراف على طاولة المفاوضات والمجلس الانتقالي في ذروة قوته وعنفوانه وتلاحمه الشعبي سيفضي حتما إلى فرض شروط الجنوبيين كاملة غير منقوصة، وسيجعل مخرجات الحوار مرآة صادقة لمطالب الشارع، وهو ما لا تريده المملكة ولا القوى الدولية التي تقف خلفها ، فالمخطط يقتضي أن يذهب الجنوبيون إلى الحوار وهم بلا مخالب، بلا قيادة قوية، وبلا قوات ضاربة تحمي مكاسبهم، ليكون سقف مخرجات هذا الحوار ادنى من سقف الاستقلال، وبما يخدم المشاريع الخارجية التي ترى في الجنوب مجرد تابع أو ساحة لتصفية الحسابات.
لذلك فقد شرعت الشقيقة الكبرى في محاولات مستميتة لتمزيق هذا الكيان من الداخل والخارج، ولم تتورع عن قصف القوات المسلحة الجنوبية ودعم بيانات مشبوهة تصدر من أراضيها بحل المجلس وتفتيت قواه، مستغلة في ذلك أدوات جنوبية رخيصة باعت نفسها في سوق النخاسة السياسية بثمن بخس لتنفيذ مآرب غريبة عن تراب الوطن، فظنت واهمة أن كسر القيادة يعني بالضرورة كسر الإرادة، وهذا هو الخطأ التاريخي القاتل الذي تقع فيه الأنظمة حين تظن أن الشعوب مجرد قطع شطرنج يحركها القادة، فالحقيقة التي تغيب عن أذهان المخططين في الرياض هي أن الشعب الجنوبي لم يصنعه المجلس الانتقالي، بل الشعب هو الذي صنع المجلس ونفخ فيه من روحه ومنحه الشرعية، والحياة فالمجلس وسيلة وليس غاية، وأداة للتعبير وليس صنما يعبد، وإذا ما ضعف هذا الكيان أو تراجع أو تخلى عن تفويضه تحت وطأة الضغوط، فإن الشعب لن يتراجع قيد أنملة عن أهدافه، ولن يقبل بفتات الموائد أو الحلول المنقوصة، فالإرادة الحرة لا تموت بموت التنظيمات، بل تزداد صلابة ومضاء كلما اشتدت الخطوب، والرهان اليوم ليس على بقاء فلان أو علان، بل على وعي جمعي يدرك أن الاستقلال حق ينتزع ولا يوهب، وأن المناورات السياسية مهما بلغت من الخبث ستتحطم على صخرة الصمود الشعبي الذي لا تلين له قناة.
ومن هنا فان محاولات قصقصة أجنحة الجنوب وتجريده من عناصر قوته قبل جره إلى غرف الحوار المظلمة تعكس عقلية لا تزال تؤمن بالوصاية والهيمنة، وتتجاهل أن الزمان قد تغير، وأن منطق الإملاءات قد ولى إلى غير رجعة، فالشعب الذي قدم قوافل الشهداء وروى بدمائه تراب الأرض من أجل حريته، لا يمكن أن تخدعه شعارات الحوار الزائفة التي تخفي وراءها خناجر الغدر، فالمسألة ليست مجرد صراع على مقاعد أو مناصب، بل هي قضية وجود ومصير، وقضية وطن سلب ويراد له أن يبقى رهينا للأهواء الإقليمية، ورهان البعض على إضعاف التمثيل السياسي للجنوب هي مراهنة على سراب، لأن الجماهير التي فوضت الانتقالي قادرة في كل لحظة على خلق أدوات جديدة وأكثر شراسة إذا ما شعرت أن حقوقها في مهب الريح، فالسيادة لا تباع في المزايدات، والكرامة الوطنية لا تخضع لقانون العرض والطلب، ومهما بلغت الضغوط وسدت المنافذ، سيبقى صوت الحق الجنوبي هادرا يزلزل عروش الواهمين، مؤكدا أن الشعوب هي صانعة الأقدار، وأن إرادتها من إرادة الله التي لا تقهر ولا تغلب.
وعيدكم مبارك وكل عام وانتم بخير