4 مايو / تقرير: مريم بارحمة
تشكل الذكرى الحادية عشرة لتحرير العاصمة عدن من سيطرة ميليشيات جماعة الحوثي في عام 2015م محطةً وطنية بارزة في الوعي الجنوبي، إذ يستحضر أبناء الجنوب خلالها واحدة من أهم اللحظات المفصلية في تاريخهم المعاصر، حين تمكنت المقاومة الجنوبية من كسر قبضة الميليشيات الحوثية المدعومة بقوات الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح، بعد معارك ضارية حولت شوارع عدن إلى ساحات صمود وبطولة.
ولا يُنظر إلى تحرير عدن باعتباره حدثًا عسكريًا عابرًا، بل باعتباره نقطة تحول تاريخية أعادت تشكيل موازين القوى في الجنوب، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من النضال السياسي والعسكري، كان عنوانها الأبرز استعادة القرار الجنوبي وتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة الجنوبية.
-عدن قبل العاصفة وأهميتها في معادلة الصراع
تُعد عدن واحدة من أهم المدن الاستراتيجية في الجنوب واليمن على حد سواء، لما تتمتع به من موقع جغرافي مميز على خليج عدن وبالقرب من أحد أهم الممرات البحرية الدولية. وقد جعل هذا الموقع المدينة محط اهتمام القوى السياسية والعسكرية المختلفة عبر التاريخ.
قبل اندلاع الحرب في عام 2015م، كانت عدن تمثل مركزًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا، كما أنها حملت رمزية خاصة لدى أبناء الجنوب باعتبارها عاصمتهم السياسية والتاريخية. ولهذا السبب، شكلت السيطرة عليها هدفًا رئيسيًا للحوثيين خلال توسعهم العسكري بعد سيطرتهم على العاصمة صنعاء في أواخر عام 2014م.
مع تقدم القوات الحوثية نحو الجنوب، بدأت المؤشرات تتضح بأن عدن ستكون ساحة المواجهة الحاسمة، خصوصًا بعد انهيار العديد من الوحدات العسكرية التابعة للدولة آنذاك، الأمر الذي جعل العاصمة عدن في مواجهة مباشرة مع خطر السقوط الكامل بيد الحوثيين.
-اجتياح الحوثيين لعدن وبداية المقاومة
في مارس 2015م، وصلت طلائع القوات الحوثية إلى مشارف عدن بعد تقدم سريع عبر عدة محافظات، مستفيدة من تحالفها العسكري مع قوات الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح. وقد دخلت هذه القوات إلى بعض مناطق المدينة، ما أدى إلى اندلاع مواجهات عنيفة مع مجموعات المقاومة الشعبية التي تشكلت سريعًا من أبناء الجنوب.
كانت تلك المرحلة من أكثر الفترات صعوبة في تاريخ عدن الحديث، إذ شهدت المدينة قصفًا عنيفًا واشتباكات متواصلة في الأحياء السكنية، ما تسبب في سقوط ضحايا مدنيين وتدمير واسع في البنية التحتية.
ومع ذلك، لم تستسلم عدن بسهولة. فقد تشكلت نواة المقاومة الجنوبية من شباب المدينة ومن مقاتلين قدموا من محافظات الجنوب ، مثل أبين ولحج والضالع وشبوة وحضرموت، ليخوضوا معارك شرسة دفاعًا عن مدينتهم.
-التحالف العربي ودعم معركة التحرير
مع تصاعد المعارك في عدن، تدخل التحالف العربي لدعم القوات المناهضة للحوثيين، حيث قدم إسنادًا جويًا وعسكريًا أسهم في إضعاف القدرات القتالية للحوثيين داخل المدينة.
وقد شكل هذا الدعم عاملًا مهمًا في تعزيز قدرة المقاومة الجنوبية على الصمود، إذ تمكنت من تنظيم صفوفها وشن هجمات مضادة على مواقع الحوثيين في عدة جبهات داخل عدن.
وبالتزامن مع الضربات الجوية للتحالف، بدأت المقاومة الجنوبية تحقق تقدمًا تدريجيًا في استعادة الأحياء التي سيطرت عليها الميليشيات، لتتحول المعركة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم.
-معركة التحرير… ملحمة الصمود الجنوبي
شهدت معركة تحرير عدن واحدة من أعنف المواجهات العسكرية في تاريخ الجنوب الحديث. فقد تحولت أحياء مثل كريتر وخور مكسر والمعلا والمنصورة إلى جبهات قتال رئيسية.
ورغم التفوق العسكري للحوثيين من حيث العتاد الثقيل في بداية المعركة، فإن المقاومة الجنوبية اعتمدت على تكتيكات حرب المدن وروح القتال العالية لدى المقاتلين، ما مكّنها من إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الحوثية.
ومع مرور الوقت، بدأت موازين القوى تميل لصالح المقاومة الجنوبية، خاصة بعد وصول تعزيزات عسكرية وتكثيف الضربات الجوية التي استهدفت مواقع الحوثيين.
وفي يوليو 2015م، أعلنت المقاومة الجنوبية تحرير عدن بالكامل، بعد طرد ميليشيات الحوثي وقوات صالح من العاصمة عدن، لتنتهي بذلك واحدة من أهم المعارك في مسار الحرب اليمنية.
-دور القوات الجنوبية في تثبيت الأمن
بعد التحرير، واجهت عدن تحديات أمنية كبيرة نتيجة الفوضى التي خلفتها الحرب وانتشار الجماعات المتطرفة. وقد برزت القوات الجنوبية لاحقًا كقوة رئيسية في إعادة بناء المنظومة الأمنية والعسكرية في المدينة.
وشهدت هذه المرحلة تأسيس عدد من التشكيلات الأمنية والعسكرية التي تولت مهمة حماية المدينة وملاحقة العناصر الإرهابية، بما في ذلك قوات الحزام الأمني والقوات الخاصة وغيرها من الوحدات الأمنية.
وقد لعبت هذه القوات دورًا مهمًا في فرض الاستقرار النسبي في عدن، بعد سنوات من الاضطرابات التي شهدتها المدينة خلال الحرب.
-مواجهة الإرهاب بعد التحرير
لم يكن التحدي الأمني في عدن مقتصرًا على مواجهة الحوثيين فقط، بل امتد ليشمل محاربة التنظيمات الإرهابية التي حاولت استغلال حالة الفراغ الأمني عقب الحرب.
فقد نشطت في تلك الفترة عناصر تابعة لتنظيمات متطرفة مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وتنظيم داعش، التي نفذت سلسلة من الهجمات الإرهابية في العاصمة عدن.
إلا أن القوات الجنوبية تمكنت من تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية واسعة أسفرت عن تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية وتطهير مناطق كانت تستخدم كأوكار لهذه التنظيمات.
وقد أسهمت هذه العمليات في استعادة قدر كبير من الأمن والاستقرار في عدن، رغم استمرار التحديات الأمنية المرتبطة بالصراع في اليمن.
-عدن مركزًا للتحولات السياسية في الجنوب
بعد تحريرها، تحولت عدن إلى مركز سياسي رئيسي للقوى الجنوبية، وأصبحت منصة لإعادة طرح قضية الجنوب على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، برز دور المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس في مايو 2017م بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي، ليعبر عن تطلعات قطاع واسع من أبناء الجنوب نحو استعادة دولتهم.
وقد لعب المجلس الانتقالي دورًا سياسيًا وعسكريًا في إدارة المرحلة التي تلت التحرير، كما عمل على تعزيز حضور الجنوب في المشهد السياسي اليمني.
-دلالات التحرير في الوعي الجنوبي
تحمل ذكرى تحرير عدن دلالات رمزية عميقة لدى أبناء الجنوب، إذ تمثل بالنسبة لهم لحظة انتصار الإرادة الشعبية على مشروع الهيمنة العسكرية.
كما أن هذه الذكرى تعكس حجم التضحيات التي قدمها المقاتلون الجنوبيون خلال معارك التحرير، حيث سقط المئات من الشهداء الذين أصبحوا رموزًا للنضال الجنوبي.
وبالنسبة للكثيرين، فإن تحرير عدن لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان بداية لمرحلة جديدة من الكفاح السياسي لتحقيق تطلعات الجنوب في تقرير مصيره.
-الذكرى الحادية عشرة رسالة استمرار النضال
مع مرور أحد عشر عامًا على تحرير عدن، لا تزال هذه المناسبة تحظى بمكانة خاصة في وجدان الجنوبيين. فهي تذكرهم بقدرتهم على تجاوز التحديات وتحقيق الانتصارات رغم الظروف الصعبة.
كما تمثل الذكرى رسالة سياسية مفادها أن الجنوب قادر على حماية أرضه والدفاع عن تطلعاته الوطنية، وأن التضحيات التي قُدمت خلال معركة التحرير لن تذهب سدى.
ويرى مراقبون أن عدن ستظل رمزًا للصمود الجنوبي، وأن معركة تحريرها ستبقى واحدة من أبرز المحطات التاريخية في مسار قضية شعب الجنوب.
-مواصلة مسيرة النضال
لقد جسدت معركة تحرير عدن عام 2015م واحدة من أهم اللحظات الفاصلة في تاريخ الجنوب المعاصر، حيث تمكنت المقاومة الجنوبية، بدعم من التحالف العربي، من طرد ميليشيات الحوثي واستعادة المدينة بعد معارك ضارية.
ومع مرور أحد عشر عامًا على ذلك الحدث، لا تزال عدن تمثل رمزًا للصمود والإرادة الشعبية، كما تواصل القوات الجنوبية دورها في حماية المدينة ومكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن والاستقرار.
وتبقى ذكرى التحرير مناسبة وطنية يستحضر فيها الجنوبيون تضحيات الشهداء ويجددون العهد على مواصلة مسيرة النضال من أجل مستقبل آمن ومستقر للجنوب.