4 مايو/ تقرير / رامي الردفاني
في ظل المتغيرات السياسية المتلاحقة التي تعصف بالمنطقة، يتشكل في الجنوب العربي مشهد مختلف في مضمونه واتجاهه، عنوانه الوضوح والثبات والتمسك بالهوية الوطنية الجنوبية باعتبارها نقطة الانطلاق وأساس البناء للمستقبل.
لم يعد الخطاب الجنوبي محصورا في ردود الأفعال، بل بات مشروعا سياسيا متكاملًا يرتكز على وعي شعبي متنامٍ، يرفض العودة إلى الصيغ القديمة، ويتمسك بحق تقرير المصير وصناعة القرار بعيدا عن أي وصاية أو إملاءات خارجية.
الهوية الجنوبية اليوم لم تعد مجرد توصيف جغرافي أو تاريخي، بل تحولت إلى إطار جامع تتلاقى عنده مختلف القوى والمكونات، بوصفها مظلة تحفظ الخصوصية الثقافية والاجتماعية والسياسية.
كما أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج مسار طويل من التراكم النضالي والتجربة السياسية، عزز لدى الشارع الجنوبي قناعة راسخة بأن المستقبل لا يُصنع إلا بإرادة أهله، وبمؤسسات تعبّر عنهم بصدق.
ومع تصاعد الحراك الشعبي وتوسع دائرة المشاركة الشعبية، برزت حالة من الاصطفاف الواعي خلف مشروع وطني جنوبي واضح المعالم، يتبنى الشراكة الداخلية، ويعلي من قيمة الاعتماد على الذات، ويضع القرار الجنوبي المستقل كخط أحمر لا يقبل المساومة
وقد لعبت القيادة السياسية الجنوبية، وفي مقدمتها الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، دورا محوريا في تثبيت هذا المسار، عبر خطاب سياسي واضح، وتحركات ميدانية وتنظيمية عززت ثقة الشارع بقدرة القيادة على ترجمة تطلعاته إلى واقع سياسي ملموس.
كما يواصل المجلس الانتقالي الجنوبي ومعه القوات المسلحة الجنوبية ترسيخ معادلة الحضور السياسي والأمني، بوصفهما ركيزتين متكاملتين في حماية المكتسبات، وصون الإرادة الشعبية، ومنع أي محاولات للالتفاف على القضية الجنوبية أو تذويبها في مشاريع لا تعبّر عن أهداف شعب الجنوب.
وفي هذا الإطار، تبرز محافظة المهرة كعنصر فاعل ومؤثر في المشهد الجنوبي، لا كطرف هامشي أو تابع، بل كشريك أصيل في صياغة الموقف العام.
أن الخصوصية الجغرافية والثقافية للمهرة لم تكن يوما عامل انعزال، بل مصدر إثراء للتجربة الجنوبية، حيث أثبتت المحافظة في أكثر من محطة أن حضورها وازن، وأن أبناءها جزء لا يتجزأ من معادلة القرار الجنوبي.
كم أن المواقف الصادرة من النخب والفعاليات المجتمعية في المهرة، إلى جانب المشاركة الشعبية في الأنشطة والفعاليات الوطنية، عكست مستوى متقدمًا من الوعي بوحدة المصير الجنوبي. كما أكدت أن المحافظة ترفض أن تكون ساحة مفتوحة للتجاذبات أو المشاريع العابرة، وتتمسك بأن تكون ضمن مشروع وطني جامع يضمن لها ولغيرها من محافظات الجنوب مكانتها العادلة في الدولة المنشودة.
أن هذا التناقم بين مختلف محافظات الجنوب العربي، من العاصمة عدن إلى حضرموت والمهرة ولحج والضالع وشبوة وسقطرى وأبين، يعكس صورة متماسكة لوحدة الهدف، رغم تنوع البيئات والخصوصيات المحلية وهي وحدة قائمة على القناعة لا على الفرض، وعلى الشراكة لا على الإقصاء، ما يمنح المشروع الجنوبي قوة سياسية وأخلاقية في آن واحد.
لقد أثبتت التجارب أن أي حلول تُصاغ بعيدا عن إرادة الناس مصيرها التعثر، وأن الالتفاف على المطالب الشعبية لا ينتج استقرارًا حقيقيًا. ومن هنا تتجدد الرسالة الجنوبية في كل مرحلة لا شرعية لأي ترتيبات لا تنطلق من الإرادة الشعبية الجنوبية، ولا مستقبل لأي مشاريع تنتقص من حق الجنوب في دولته كاملة السيادة.
المشهد اليوم يشير بوضوح إلى أن الجنوب يتحرك بثقة نحو تثبيت هويته السياسية وترسيخ قراره المستقل، مستندًا إلى قاعدة جماهيرية واعية، وقيادة سياسية حاضرة، وقوات جنوبية تمسك بالأرض وتحمي المكتسبات. وفي قلب هذا المشهد تقف المهرة، لا على الأطراف، بل في صلب المعادلة، شريكًا في الرؤية، وحاضرًا في الفعل، ورافدًا مهمًا من روافد المشروع الوطني الجنوبي.