اخبار وتقارير

السبت - 17 يناير 2026 - الساعة 05:10 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / د. يحيى شايف ناشر الجوبعي

جاء خطاب الأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية الذي وجهه إلى جماهير الشعب الجنوبي في مليونية تأييد الإعلان الدستوري في ١٦/١/٢٠٢٦ بلحظة سياسية حرجة اتسمت بتشابك عوامل داخلية وإقليمية من أبرزها :
١- تصاعد الصراع حول الشرعية والتمثيل السياسي للجنوب.
٢- إعلان دستوري مثل خطوة تنظيمية غير مسبوقة في مسار القضية الجنوبية.
٣- محاولات إقليمية ودولية لإعادة فرض مسارات سياسية تتجاوز الإرادة الشعبية الجنوبية.
ضمن هذا السياق لا يمكن قراءة الخطاب بوصفه حدثا خطابيا معزولا ، بل باعتباره نصا سياسيا مؤسسا يسعى إلى إعادة تعريف مفاهيم الشرعية والإرادة والدولة وحدود التفاوض السياسي .
وبناء على ذلك سنقوم بتحليل أبرز ما جاء في الخطاب على النحو الآتي :

أولا: مفهوم الشرعية في الخطاب.

يضع الخطاب الإرادة الشعبية في موقع المصدر الوحيد للشرعية كما يتجلى في قول الرئيس : ((إرادتكم الحرة هي مصدر الشرعية الحقيقي)).
هذه العبارة لا تؤدي وظيفة وصفية ، بل تؤسس لموقف سياسي واضح ينزع الشرعية عن:
١- أي مسارات مفروضة من الخارج .
٢- أي تمثيلات سياسية لا تستند إلى التفويض الشعبي المباشر .
وبذلك ينتقل الخطاب من منطق الشرعية المعترف بها دوليا إلى منطق الشرعية المنتجة شعبيا وهو انتقال جوهري في مسار الحركات الوطنية .

ثانياً: توصيف المليونية كفعل سيادي .

يعمد الخطاب إلى توصيف المليونية بوصفها : ((رسالة سياسية حاسمة))
وهو توصيف ينقل الحدث من كونه ممارسة احتجاجية إلى كونه فعل سيادة جماعي.
فالمليونية هنا لا تستدعى لإسناد موقف، بل لتشكيل الموقف ذاته ما يجعلها أداة إنتاج شرعية لا مجرد تعبير عنها.

ثالثا: الإعلان الدستوري كإطار انتقالي .

يربط الخطاب بين البيان السياسي السابق والإعلان الدستوري مقدماً الأخير باعتباره
امتدادا لمسار سياسي تراكمي وذلك استجابة لفراغ تنظيمي لا مغامرة سياسية.
ويفهم من هذا الربط أن الإعلان الدستوري يطرح بوصفه إطارا انتقاليا لضبط المرحلة لا بوصفه إعلان قطيعة أو خطوة تصادمية وهو ما يعزز طابعه التنظيمي والمؤسسي .

رابعا : إعلان الانتقال المرحلي .

ويبرز ذلك في قوله ((دخل الجنوب اليوم مرحلة جديدة)) تشكل هذه العبارة نقطة التحول المركزية في الخطاب
فهي:
١- إعلان سياسي صريح بانتهاء مرحلة وبداية أخرى.
٢- نقل للجنوب من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل.
٣- وتتحدد معالم المرحلة الجديدة بثلاث ركائز :
أ- الثبات السياسي.
ب-وحدة الصف الداخلي.
ج- فرض الإرادة الشعبية في الفضاء الإقليمي والدولي.
وهنا يظهر تحول نوعي من خطاب المظلومية إلى خطاب الفاعلية السياسية.

خامسا :القيادة والعلاقة مع الشعب .

ينتقل الخطاب من الوعد إلى العهد وهنا يستخدم الرئيس صيغة: (( أعاهدكم )) بدلا من ((أعدكم)) وهو اختيار لغوي ذو دلالة سياسية عميقة ، إذ يربط القيادة بالتزام أخلاقي طويل الأمد .
ويجعل القيادة خاضعة لمعيار التضحية لا متجاوزة له ، كما أن الخطاب يحمل الشعب دورا مركزيا في معادلة النصر وبناء الدولة ما يعكس تصورا تشاركيا للسلطة لا تصورا أبويا أو فردانيا .

سادسا : حدود الصراع والسياسة في الخطاب.

يلاحظ أن الخطاب لم يعلن حربا ولم يغلق باب السياسة ولم يستخدم لغة تصعيدية تجاه الإقليم أو المجتمع الدولي .
هذا الصمت المدروس يعكس ثقة سياسية ويشير إلى أن الخطاب يهدف إلى فرض معادلة جديدة للتفاوض لا إلى نسف فكرة التفاوض ذاتها.

سابعا: دلالات الخطاب في سياق بناء الدولة.

يمكن اعتبار خطاب ١٦ يناير ٢٠٢٦م خطوة ضمن مسار الانتقال من الشرعية الثورية إلى
الشرعية الدستورية الانتقالية وهو ما يجعل الخطاب أقرب إلى خطابات التأسيس الأولى في تجارب بناء الدول حيث تستخدم اللغة لضبط التوقعات وتحديد السقوف وتثبيت الفاعلين .

الخاتمة :

تخلص هذه الدراسة إلى أن خطاب الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي في مليونية التأييد للإعلان الدستوري الجنوبي يمثل:
١- خطابا تأسيسيا لا تعبويا.
٢- إعلانا سياسيا عن انتقال مرحلي منظم.
٣- محاولة واعية لإعادة تعريف العلاقة بين الشعب والقيادة والشرعية والدولة.
٤- كما يؤكد الخطاب أن الجنوب لم يعد يطرح نفسه كقضية احتجاج، بل كمشروع دولة قيد التشكل يستند إلى الإرادة الشعبية بوصفها مصدر السلطة والشرعية.
٥- يعتبر هذا الخطاب علامة فارقة في تطور الخطاب السياسي الجنوبي وبداية مرحلة جديدة في مسار بناء الدولة الجنوبية.


*أكاديمي ومحلل سياسي