الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 12:46 ص بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ منير النقيب
جاء البيان الصادر عن الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتداخل فيه التوترات العسكرية مع الحسابات الجيوسياسية والأمنية المرتبطة بأهم الممرات البحرية في العالم. ولم يكن البيان مجرد تعليق على تطورات إقليمية متسارعة، بل حمل في طياته رسائل سياسية وأمنية واستراتيجية حاولت إعادة تعريف موقع الجنوب في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
أولًا: ربط التهديد الإيراني بالأمن البحري الدولي
استهل البيان بالإشارة إلى التصعيد الإيراني وما تضمنه من هجمات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة وتهديدات بإغلاق الممرات البحرية الاستراتيجية. ويعكس هذا الطرح رؤية تعتبر أن ما يجري لم يعد مجرد صراع بين إيران وخصومها الإقليميين أو الدوليين، بل تحول إلى تهديد مباشر للمصالح الاقتصادية العالمية.
ومن خلال هذا التوصيف، يسعى الزُبيدي إلى نقل قضية الجنوب من إطارها المحلي إلى فضاء أوسع يرتبط بالأمن الدولي. فحين تصبح الممرات البحرية مهددة، تصبح القوى المسيطرة على السواحل والمواقع الاستراتيجية جزءًا من معادلة الأمن العالمي، وهو ما يحاول المجلس الانتقالي الجنوبي تأكيده.
ثانيًا: باب المندب من هامش الاهتمام إلى مركز الخطر
من أبرز النقاط التي توقف عندها بيان الرئيس الزُبيدي تأكيده أن إيران بدأت تتحدث بصورة مباشرة عن باعتباره هدفًا محتملًا ضمن دائرة التصعيد.
هذه الإشارة تحمل دلالات مهمة؛ إذ إن المجلس الانتقالي ظل لسنوات يطرح أن باب المندب يمثل الحلقة الأضعف في منظومة الأمن البحري الإقليمي. واليوم، وفقًا لما جاء في البيان، فإن التطورات الأخيرة تمنح تلك التحذيرات بعدًا جديدًا.
ويهدف هذا الطرح إلى القول إن الخطر لم يعد افتراضيًا أو نظريًا، بل أصبح معلنًا، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في آليات حماية الممرات البحرية، خصوصًا أن باب المندب يعد شريانًا حيويًا للتجارة الدولية وحركة الطاقة بين الشرق والغرب.
ثالثًا: تحركات سعودية أدت إلى تفكيك القوات الجنوبية
تُعد هذه الفقرة من أكثر فقرات البيان أهمية وحساسية سياسيًا. الرئيس الزُبيدي لا يكتفي بالحديث عن التهديدات الخارجية، بل يربطها مباشرة بنتائج الحملة العسكرية السعودية التي أدت إلى تفكيك القوات المسلحة الجنوبية التي كانت تتولى حماية الساحل الجنوبي الغربي.
ويحمل هذا الطرح رسالة سياسية واضحة مفادها أن الخلل الأمني الحالي لم ينشأ بفعل التهديد الإيراني وحده، وإنما نتيجة قرارات وإجراءات وتحركات سعودية أضعفت القوة التي كانت تتصدى لتلك التهديدات.
ويوضح الرئيس الزُبيدي بأن إضعاف القوات الجنوبية لم يؤد فقط إلى تغيير موازين القوى الداخلية، بل انعكس أيضًا على أمن البحر الأحمر وخليج عدن. وبذلك ينتقل النقاش من إطار الصراع المحلي إلى إطار المسؤولية الإقليمية والدولية عن الفراغ الأمني الناشئ.
رابعًا: مفهوم "الفراغ الأمني" كرسالة تحذيرية
استخدم الرئيس الزُبيدي مصطلح "الفراغ الأمني" بطريقة مدروسة. ففي الأدبيات السياسية والعسكرية، يشير هذا المصطلح إلى غياب القوة القادرة على فرض الاستقرار ومنع الجهات المعادية من التمدد.
ومن خلال هذا المفهوم، يوجه رئيس المجلس الانتقالي رسالة مفادها أن أي تراجع في حضور القوات الجنوبية على السواحل الاستراتيجية سيمنح الحوثيين، ومن خلفهم إيران وفق رؤية الزُبيدي، فرصة أكبر لتهديد خطوط الملاحة الدولية.
ويبدو أن الهدف من هذه الرسالة هو تحفيز القوى الإقليمية والدولية على إعادة تقييم ترتيبات الأمن البحري في المنطقة.
خامسًا: الدعوة إلى مقاربة أمنية شاملة
من النقاط اللافتة في دعوة الرئيس الزُبيدي رفضه التعامل مع مضيق واحد بمعزل عن الآخر. وهو يؤكد أن تأمين دون حماية باب المندب، أو العكس، لن يؤدي إلى نتائج حقيقية.
هذا الطرح يعكس فهمًا استراتيجيًا يقوم على الترابط الجغرافي بين الممرات البحرية التي تنقل النفط والتجارة العالمية. فالخطر، بحسب بيان الرئيس الزُبيدي لا يكمن في نقطة واحدة، بل في شبكة مترابطة من الممرات التي يمكن أن تتعرض للتهديد في أي لحظة.
سادسًا: تقديم المجلس الانتقالي باعتباره الشريك الأكثر موثوقية
في جانب آخر يركز الرئيس الزُبيدي على عنصر "المصداقية". فهو لا يكتفي بالحديث عن القدرات العسكرية، بل يشير إلى الوجود الميداني والدعم الشعبي باعتبارهما مصدرين للشرعية.
وهنا يقدم الرئيس الزُبيدي دور المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المسلحة الجنوبية أمام الشركاء الإقليميين والدوليين بوصفه قوة منظمة تمتلك الحضور على الأرض والخبرة في إدارة الملفات الأمنية، وبالتالي يمكن الاعتماد عليها في أي ترتيبات مستقبلية تخص أمن الملاحة.
سابعًا: إعادة تموضع الجنوب في المعادلة الإقليمية
الزُبيدي يحمل بعدًا سياسيًا يتجاوز الجانب العسكري. فحديثه عن تكثيف التواصل مع الشركاء الإقليميين والغربيين يعكس سعيًا واضحًا لإعادة إدراج الجنوب ضمن الحسابات الأمنية والاستراتيجية للمنطقة.
بيان رئيس المجلس الانتقالي وضع النقاط على الحروف وكشف المخاطر التي تستهدف المنطقة وفق المتغيرات الإقليمية الحالية والتأكيد على أن تجاهل الجنوب في أي ترتيبات أمنية أو سياسية لن يكون عمليًا، خاصة مع موقعه الجغرافي المطل على أهم الممرات البحرية.
ثامنًا: من قضية محلية إلى ملف دولي
أحد أهم التحولات التي يعكسها بيان الرئيس الزُبيدي هو الانتقال بقضية الجنوب من إطارها السياسي المحلي إلى إطار الأمن الدولي. الزُبيدي يعمل على طرح حقيقة جوهرية مفادها أن الجنوب ليس مجرد طرف في نزاع داخلي، بل شريك محتمل في حماية التجارة العالمية وأمن الطاقة الدولي.
وبهذه المقاربة، يعزز الرئيس الزُبيدي حضور المجلس الانتقالي الجنوبي العربي سياسيًا ودبلوماسيًا عبر ربط استقرار الجنوب باستقرار الممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
*وثيقة سياسية وأمنية
يمكن القول إن بيان الرئيس الزُبيدي لم يكن مجرد تعليق على التطورات الإقليمية، بل مثّل وثيقة سياسية وأمنية متكاملة تضمنت أربع رسائل رئيسية: الأولى التحذير من التهديد الإيراني المتصاعد للممرات البحرية، والثانية التأكيد أن باب المندب أصبح في قلب الصراع الإقليمي، والثالثة تحميل السياسات التي أدت إلى تفكيك القوات الجنوبية مسؤولية خلق فراغ أمني خطير، والرابعة تقديم المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه شريكًا جاهزًا وقادرًا على الإسهام في حماية الملاحة الدولية.
ومن خلال هذه الرسائل، يؤكد الرئيس الزُبيدي على أهمية موقع المجلس الانتقالي الجنوبي في المشهد الإقليمي، ليس فقط كحامل لمشروع سياسي جنوبي، بل كفاعل أمني يرى أن استقرار الجنوب وأمن سواحله باتا جزءًا لا يتجزأ من أمن المنطقة والعالم.