اخبار وتقارير

الأربعاء - 13 مايو 2026 - الساعة 11:40 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ حافظ الشجيفي


يتسلل الهرج إلى مسامعنا، ويقرع طبول الجوف في منصات التواصل، فيكاد المرء يظن أن الفاتحين قد قفلوا من أسوار الأندلس، أو أن خيولهم ما تزال تصهل عند مشارف فيينا، فإذا بالخبر ليس سوى تمثيلية سمجة تجترها منظومة لم تجد ما تستر به عورة هزائمها سوى اطمار "العرض العسكري" في عدن، احتفاء بذكرى ذلك اليوم المشؤوم، الثاني والعشرين من مايو، يوم أن أطبقت الغفلة على العقول فكان ما كان، واليوم، يأتي من لا يملك من أمره شروى نقير، ليتحدث عن استعراض القوة في مدينة لفظته، وفي واقع يحاصره من كل جهة، فالعروض العسكرية في عرف البشر والدول التي تحترم كينونتها وسيادتها، هي رسائل ردع صلبة تخرج من فوهة المدافع لتقول للعالم ها نحن هنا، ترسانة وتدريبا وبطشا وهيبة، وما هي بالترف الذي يزجي به العاطلون أوقاتهم، بل هي زئير الدولة الوطنية المستقلة التي تطأ أقدام جندها ترابها بكل ثقة، أما أن تأتي حكومة تعيش عيشة السائحين في فنادق المنفى، وعاصمتها المفترضة ترزح تحت وطأة المليشيات الانقلابية، لتقيم عرضا عسكريا، فهذا خروج فج على نواميس الكون وقوانين الفيزياء العسكرية، وضرب من الهذيان السياسي الذي لا يتقنه إلا من فقد بوصلة الحياء والواقع معا، إذ كيف يستقيم في عقل ذي لب أن يستعرض عضلاته من فقد داره، ومن هرب جنده أمام الحوثي في صنعاء والجوف وتعز وذمار والحديدة، مخلفين وراءهم غبار الخيبة وعشر سنوات من العجز المقيم الذي لم يحرر شبرا واحدا، بل لم يستعد موقعا تائها في هضاب الشمال، ثم ياتي الينا اليوم ليستعرض قوته الخاوية امامنا وفوق أرض لم يحررها بساعده، بل حررها أبناء الجنوب بدمائهم القانية ومقاومتهم التي لم تعرف المهادنة، وحمتها القوات المسلحة الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي، التي وفرت لهذه الحكومة المهزومة ملاذا آمنا وسقفا يقيها حر الشمس وبرد التشرد على مدى سنوات من الشتات، قبل أن ترتد هذه الحكومة لتستقوي بالقوى الإقليمية على من آواها ونصرها.
فالحكمة تقتضي، لو كان في القوم حكيم، أن يكون العرض العسكري الحقيقي هو الزحف نحو صنعاء المستباحة، واختراق أسوار تعز الموصدة، واستعادة مياه الحديدة، فما قيمة أن تلمع السيوف في عدن وهي التي صدأت في جبهات المواجهة الحقيقية مع الكهنوت.. وما الجدوى من استعراض كفاءة قتالية مزعومة لم تفلح طوال عقد من الزمان في التقدم خطوة واحدة للأمام، بل توالت عليها الهزائم حتى ضاقت بها الأرض بما رحبت في الشمال، ثم جاءت لتبحث عن نصر وهمي تحت حماية من تحرسها في الثغور والمتارس... فالمهزوم الذي لا يسيطر على عاصمته، والمحتل الذي فقد سيادته، لا يملك ترف الاستعراض، لأن الاستعراض لمن يملك القوة لا لمن يستعيرها، ولمن يذود عن حياضه لا لمن يحتمي بغيره، فعدن التي يراد فيها إقامة هذا العرض السريالي، يحمي بواباتها ويذود عن حياضها رجال الضالع ولحج والصبيحة وشبوة وحضرموت والمهرة ويافع، وهم وحدهم أصحاب الحق في القول والفعل، أما تلك القوات التي يراد لها أن تمشي "المشية العسكرية" فوق تراب الجنوب، فهي في حقيقة الأمر تحت حراسة القوات الجنوبية التي ترابط في المتارس وتواجه الموت وجها لوجه، بينما هؤلاء يستعدون لتمثيل دور البطولة في مسرحية هزلية لا يقبلها عقل ولا يقرها واقع، فبدلا من هذه البهرجة الجوفاء، كان الأجدى بهم أن يحشدوا تلك القوات لاسترداد كرامتهم المهدورة في جبال مران وسهول تهامة، عوضا عن محاولة فرض واقع عسكري في مدينة لفظت مشروعهم، وأثبتت بالدم أن الوحدة التي يتباكون عليها لم تكن سوى كابوس انتهى، وأن محاولة إحيائها عبر "عرض عسكري" هي محاولة لنفخ الروح في جثة هامدة، واستهتار بتضحيات الناس الذين يرون في هذا العمل استفزازا صارخا لكل قيم المنطق والعدل، وتكريسا لعقلية الهزيمة التي تحاول التخفي وراء البدلات العسكرية النظيفة والموسيقى النحاسية، في حين أن الميدان يشهد أنهم لم يكونوا يوما أهلا لحرب، ولا حماة لدار، بل هم عالة على الجغرافيا وعالة على التاريخ الذي لا يرحم من فر من معركته ليبحث عن مجد زائف في مدن الآخرين.