عرب وعالم

الأحد - 10 نوفمبر 2019 - الساعة 12:35 ص بتوقيت اليمن ،،،

العرب اللندنية


وقوف النساء العربيات إلى جانب الرجال في انتفاضات وثورات بلدانهن يؤكد قدرتهن القيادية والنضالية وجرأتهن على التمرد على تقاليد ونواميس مجتمعاتهن المغيبة لهن، فقد أثبتن أنهن يلعبن دورا هاما في صياغة المطالب الشعبية وفي التواجد بساحات المظاهرات.
وقفت شابة عراقية، منذ أيام، بفستان زفاف وسط ساحات الاحتجاجات المستمرة في البصرة ورفعت لافتة كتبت عليها “عروس المظاهرات، مهرها هو التغيير”.. ومن ساحات مدينة بعلبك شرقي لبنان ووسط العاصمة بيروت أيضا، سمعت، الأربعاء الماضي، أصوات قرع الطناجر على أصداء الأناشيد الوطنية، تجوب الشوارع، في مسيرة مطالبة بحقوق المرأة استمرت أكثر من ساعة لإحداث ضجيج بغية إسماع صوتهن بشكل سلميّ مردّدات شعار “يا سلطة أبوية حق المرأة مش تفصيل”.
وكتبت الفنانة اللبنانية ميريام فارس عبر حسابها في تويتر “أنا فخورة كثيرا بكل امرأة تشارك بثورة وطني لبنان.. 1915 أول مرة تُقرع الطناجر في لبنان بسبب المجاعة.. 2019 ثاني مرة تُقرع الطناجر في لبنان بسبب الفساد”.
وبذلك أثبتت المرأة العربية المغيبة أن الشاعر السوري نزار قباني لم يجنح بخياله بعيدا حين قال “الحضارة أنثى والثقافة أنثى واللغة أنثى والقصيدة أنثى والشجرة أنثى والثورة أنثى”، فاليوم قاد النصف المهمش من المجتمع ثورات وانتفاضات مجتمعاته، وصار رمزا للتحرر في المظاهرات.
في الصور الملتقطة للنساء من قلب الثورات العربية ظهرن ثابتات، جريئات، قادرات على الوقوف إلى جانب الرجال للمطالبة بسقوط الأنظمة.
وكانت الانطلاقة من تونس في 2011 إذ لم تكتف المرأة بالخروج إلى الشارع حاملة شعار “المرأة ثورة وليست عورة”، وتصرخ بأعلى صوتها “ديغاج” طردا لنظام دكتاتوري جثم على البلاد أكثر من 23 سنة، بل ولعبت أصوات النساء دورا حاسما في فوز الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، حيث بلغت نسبة أصوات الناخبات 60 بالمئة من مجموع الأصوات التي حصل عليها، ومازالت التونسية تؤثث مشهد الحراك الشعبي كلما هبت انتفاضة بالبلاد.
وربضت نظيرتها المصرية بالشوارع في العام ذاته من أجل إعلاء صوت الحق والتخلص من الأنظمة الفاسدة، فكانت مشاركتها مهمة وحضورها لافتا، وصمدت أمام كل أشكال الترهيب بما فيها خضوع سبع عشرة متظاهرة لكشوفات العذرية.
وأعطى دخول المرأة الجزائرية على خط الحراك الشعبي، إضافة نوعية وزخما غير مسبوق، وشكل حضورها في الانتفاضات التي أطاحت بالرئيس المخلوع عبدالعزيز بوتفليقة، دعما قويا وتحولا اجتماعيا لافتا أعاد ترتيب الكثير من المفاهيم النمطية.
ومع اندلاع أولى شرارات الثورة السودانية على بشيرها غدت الناشطة السودانية آلاء صالح أيقونة الحراك الثوري في السودان بعد فيديو مصوّر لها أثناء إلقائها لإحدى القصائد الثورية وسط المتظاهرين في الخرطوم.
وأصبح مشهد النساء السودانيات المتكرر، وهن في الصفوف الأولى للاحتجاجات، في معظم المدن السودانية مبهرا للكثيرين، فقد تقدم هؤلاء المسيرات دون خوف، وهن يرددن شعارات “تسقط بس”، حتى أن البعض يعتبر أن المشاركة الفاعلة للمرأة السودانية في تلك الثورة، تمثل نقطة تحول في تاريخ حراكها المضيء عبر سنوات طويلة.
كما دشنت القيادات النسائية في ميدان الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش بالعاصمة الخرطوم مايو الماضي تحت اسم “نساء السودان للتغيير” حملة لتحقيق التواجد النسائي المرغوب في أجهزة المرحلة الانتقالية.
ودافعن على حقهن في ذلك مذكرات بأن السودانيات شاركن في تنظيم المظاهرات والاحتجاجات وإيواء الثوار والاعتصام والدعم الاجتماعي.

كسرن حاجز الصمت

قالت الباحثة التونسية في تحليل الخطاب الديني، زينب التوجاني، “من السودان ومصر إلى لبنان والعراق مرورا بتونس والمغرب والجزائر ترتفعُ أصوات الشابات جنبا إلى جنب يعبرن عن رفضهن للأنظمة القائمة وحلمهن بأنظمة أكثر عدالة ومساواة”.
وأضافت التوجاني في حديثها لـ”العرب” “لقد كسرت هؤلاء النسوة جدران القمع المرئية واللامرئية، ومحون من على جباههن تلك العلامة التي تحدثت عنها عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي حين روت قصة ورثتها عن جدتها عن حريم لامرئي منقوش على الجبين، ذلك الحريم الذي كان متمثلا في جدران القصر قديما فأمسى جدرانا خفيّة تتمكن من النساء لتبقيهن في الظلام، بغرس جملة من الانفعالات السلبية فيهن كالخوف وعدم الثقة في النفس وأن يعتبرن أنفسهن عورة”.
وتابعت “كل ذلك قد تحدّاه النساء وكسرن تلك القضبان المغروسة فيهن وخرجن إلى النور في وضح النهار يعلين أصواتهن بالشعارات ويرفعهن الرجال على الأعناق ويتباهين بأنوثتهن غير مُخفيات جمالهن ولا جمال أفكارهن، يغنين في السّاحات ويرقصن، ويرفعن مطالبتهن بحقوقهن، ويجلسن على الأرض إلى جانب رفاقهن، ويرين أنفسهن جديرات بالكرامة والحقوق والمساواة والعدل الاجتماعي”.
فالمرأة التي خرجت متحدية رهاب الشوارع وعدسات كاميرات الصحافيين والتلفزيونات المحلية والعالمية، لم تعد مجرد أنثى تسير في ظل رجل طلبا للأمن والحماية، بل صارت فاعلا في كل المراحل الانتقالية التي تمر بها بلادها، وقد أكدت دولة الإمارات على أهمية ضمان المشاركة الكاملة والجادة للنساء في جميع مراحل عمليات السلام والمفاوضات.
وجاء ذلك خلال البيان الذي أدلت به لانا زكي نسيبة، المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، أمام المناقشة السنوية المفتوحة التي عقدها مجلس الأمن، أكتوبر الماضي، حول المرأة والسلام والأمن.
وقالت نسيبة إن “النساء هن أول المستجيبات وعنصر أساسي في المجتمع والأسرة وقوة دافعة للتغيير”، مشددة على ضرورة أن تكون النساء طرفا أساسيا في المفاوضات الرسمية وغير الرسمية في جميع مراحل عملية السلام وعدم استبعادهن بعد حل الصراعات”.
وترى التوجاني أن “امرأة عربية جديدة ولدت من أنقاض تلك المرتبكة الخائفة الموؤودة بتقاليد تزعم حمايتها من نفسها فإذا بها تنفجر بكل قواها المكبوتة قرونا، ترفع صوتها لتعبر عن وجودها وتمسي ظاهرة للعيان لا خفية”.
وتتابع “فإذا بنا أمام مشهد مؤنث فيه تقف لابسة الحجاب إلى جانب ذات الشعر الطليق، ولابسة الموضة حذو تلك التي تلتزم بتقاليد بلدها التراثية، يقفن جميعا ليعبرن عن هوية أكبر من اللباس وأكبر من الاختلاف الظاهر إنها هويتهن الجامعة بينهن نساء عربيات محكومات بتقاليد أبوية جعلتهن يكافحن يوميا لافتكاك الاعتراف، فإذا بهذه الثورات المؤنثة تطلق لرغبتهن في الحرية العيان وتجمع بينهن في مشهد جديد: مشهد لا وصاية فيه عليهن سوى قيم يطالبن بها صباحا ومساءً، يردن أن يعشن في مدن أكثر عدلا وأنظمة ديمقراطية ويردن أن يُحترمن كمواطنات تليق بهن المساواة والكرامة ويردن حقوقهن لا أكثر ولا أقل، حقوقهن في العمل والحياة والحرية والديمقراطية”.
تأنيث المشهد لا يمكن إلا أن يكون علامة على ميلاد مجتمع عربي جديد قائم على تصوّر جديد للإنسان لا مزية فيه للذكر على الأنثى إلا بمدى الالتزام بخدمة الوطن ،هذا المشهد الجديد كما وصفته التوجاني يقطع مع الصورة النمطية التي فصلت لسنين بين الرجل والمرأة في بعض المجتمعات العربية المحافظة، فالنساء من كل الأجيال ومن مختلف الشرائح الاجتماعية غيرن هذه الصورة خلال هذه الثورات وفككن العزلة التي تفصلهن عن الرجال.
وجاءت بعض الشهادات من ساحات التظاهرات لتؤكد أن المرأة كانت وراء خروج زوجها أو أخيها للاحتجاج والمطالبة بحقه في الحصول على وظيفة تليق بشهادته الجامعية، كما أنها لم تكتف بذلك بل وأقنعته بأن تؤثث معه مشهد الحراك الشعبي، في تحدّ صارخ للصورة القاتمة التي تحفّ بالمرأة التي تنزل إلى الشارع. وفي اقتناع الرجل بمشاركة المرأة اعتراف بمكانتها الحقيقية داخل المجتمع.
وعلى الرغم من أن أغلب الشابات يحضرن دون علم أهاليهن الذين قد يمنعونهن حرصا على سلامتهن، سجل الحضور النسوي نسبا كبيرة.
وقالت فنانة الغرافيتي السودانية، أصيل دياب، المقيمة بقطر، في حديث سابق لـ”العرب” “كنت أتابع الحراك السياسي في بلدي منذ أسبوعه الأول، أي منذ ديسمبر 2018، من خلال التلفزيون والمواقع الاجتماعية، وبعد شهر تمكنت من الوصول إلى السودان بعد مجهود جبار لإقناع عائلتي بضرورة ذلك”.
وأشارت دياب إلى أنها “وجدت في طريقها أناسا رفضوا فكرة وقوف المرأة بالبنطلون وهي تخاطب جموع الناس”، مضيفة أنهم “اعتبروها فتاة متحررة مع أن القضية التي تتحدث عنها أكبر من الوقوف عند المرأة وماذا تعمل أو تلبس.. لماذا نترك كل القضايا المهمة للغاية في بلدنا ونركز في هذا الوقت الحساس على المرأة”.

وتبرر لمياء عبدالمحسن البراهيم، كاتبة رأي سعودية وطبيبة استشارية في طب الأسرة والمجتمع، منع الأهالي لبناتهن من الالتحاق بحشود المتظاهرين وأسباب هذه النظرة الدونية لمشاركة المرأة، بأن في ذلك جانبا من خطة تشويه اتبعها المعارضون سواء كانوا نساء أو رجالا، ارتكزت على أن معايير الشرف عالية في المجتمعات العربية، وبذلك فالأسهل استهداف المرأة من ناحية الشرف لتخويف أسرتها بحيث يكون الضغط عليها لمنعها من قِبل أسرتها.
وأضافت البراهيم لـ”العرب” أن سبب ذلك هو نوع من التنمر الاجتماعي والتنمر الدوني للمرأة خوفا من تفوقها أو ظهورها، ويستخدم ذلك لإضعاف عزيمتها ولتخويف النساء أو تصغير حراكهن وأفكارهن.
وتابعت “احتقار المرأة وامتهانها يحدان التأثر بها في ميادين الاحتجاج لأن حامل الرسالة أهم من الرسالة أو ارتباط المفاهيم بانحراف ناقليها، لذا من الطبيعي أن يعزف عنها الإنسان.. وأن يخاف الأهل على بناتهن من تأثير على سمعتهن.. قد يستخدم ذلك ضمن استراتيجيات ممنهجة للإساءة إلى المرأة ولكنها قد تكون أيضا عفوية ضمن التصور الاجتماعي الدوني تجاه المرأة المفكرة والمرأة الثائرة”.
وكشفت الثورات التي اجتاحت عددا من الدول عن الدور الذي باتت المرأة العربية المغيبة تلعبه في صياغة المطالب الشعبية، وحتى في التواجد في ساحات التظاهرات، بل وصارت النساء الجزء الأبرز في الكثير من هذه التحركات.

ثورات حقيقيّة
أثبتت عدة متواجدات في ساحات الاعتصام أنهن فاعلات وقادرات على تقديم الإضافة الفعالة، فكانت الأم والجدة والمناضلة والثورية والصحافية والطالبة والموظفة والمعلمة والناشطة والطبيبة والفنانة، حاضرات دائما للمساعدة وشحن عزائم رفاقهن، كل منهن حسب وظيفتها أو قدرتها على المشاركة في هذا النضال الجماعي.
أسعفت الطبيبة، أو الطالبة في كلية الطب، الجرحى، ووفرت الأم الطعام، وشارك الجميع في تنظيف الساحات.
وعملت عدة فنانات تشكيليات على إحداث إبداع بصري ملأ شوارع بلدانهن أو صفحاتهن على موقع فيسبوك، للانتفاضات التي أطاحت ببعض القادة العرب، وجعلن العالم من حولهن ينظر إلى لوحات توثق للأحداث الجلل الحاصلة في بلدانهن، وهذه المبادرات التي غالبا ما كانت فردية طغت عليها اللمسات الأنثوية رغم المشاركة الذكورية.
وبدا حضور المرأة طاغيا في الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي عن هذه المظاهرات وأنشطتها المختلفة، وجاء ذلك نتيجة حرص الإعلاميات والمصورات والناشطات على نقل صور الاحتجاج.
وكان لربات البيوت غير القادرات على الخروج إلى الشوارع دور أيضا في إرسال المال أو الطعام أو بعض الإمدادات الأخرى، إلى الساحات.
وأكدت التوجاني أن “ثورات تُرفع فيها النساء على أعناق الرّجال وتعبر فيها المرأة عن وجودها وتتجلّى للعيان فتحتل الفضاء العامّ وتفتك نصيبها من المشهد هي ثورات حقيقيّة لا مغشوشة وتدعو إلى التفاؤل والأمل لأنها لا فقط انتفاضة ضد القمع والقهر والبطالة والفساد بل هي ثورة ضد أسباب كل تلك المظاهر المتخلفة، هي ثورة ضد الأبوية بمعنى التسلط الذي يبدأ من تمييز الأخ على الأخت، والأب على الأم والزوج على الزوجة، هي ثورة ضدّ الاحتقار وضد احتقار النّساء خاصّة بما هن ناقصات وعورات ومواطنات من درجة ثانية”.
وقالت الباحثة التونسية في خاتمة حديثها “لذلك فإن تأنيث المشهد لا يمكن إلا أن يكون علامة على ميلاد مجتمع عربي جديد قائم على العدل والكرامة وعلى تصوّر جديد للإنسان لا مزية فيه للذكر على الأنثى ولا للقوي على الضعيف ولا للغني على الفقير إلا بمدى الالتزام بقيم المواطنة وخدمة الوطن”.