4 مايو/ تقرير / رامي الردفاني
لم تكن الرصاصة الأولى التي دوت من قمم ردفان الشماء في الرابع عشر من أكتوبر عام 1963 مجرد هبة غضب عابرة، بل كانت إيذاناً تاريخياً بميلاد أمة ترفض القيد، وتصنع فجر حريتها بالدم والتضحية؛ لتخط بالبارود ملحمة إسقاط أعتى إمبراطوريات العصر وتطرد الاستعمار الأجنبي من أرض الجنوب العربي الطاهرة.
كما إن هذه الروح الأكتوبرية المتوقدة لم تنطفئ جذوتها برحيل المستعمر الأول، بل تظل البوصلة الجينية التي توجه بوصلة الشعب نحو استكمال تحرير أرضه وهويته من براثن الاحتلال الغاشم الذي حاول على مدار عقود طمس معالم الدولة ومصادرة حق أبنائها في السيادة والقرار.
كما تتجسد عبقرية النضال الجنوبي اليوم في قدرته على نقل وهج ثورة أكتوبر من كتب التاريخ إلى ميادين المواجهة المعاصرة، لتتحول القيم النضالية التي غرسها الرعيل الأول إلى عقيدة قتالية وسياسية تحمي الأرض وتصون المكتسبات.
إن مسيرة التحرر الجنوبي الراهنة ضد الاحتلال اليمني ليست إلا الامتداد الحتمي لتلك الانطلاقة المجيدة حيث يقف شعب الجنوب اليوم بوعي استثنائي ولحمة وطنية غير مسبوقة، مجدداً العهد لشهدائه بأن إرادة البقاء والانتصار أقوى من كل مؤامرات الإخضاع ومشاريع إعادة التدوير السياسي التي تسعى للنيل من قضيته العادلة.
وفي ظل هذه المعركة المصيرية، تبرز القيادة السياسية والعسكرية ممثلة بالرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، كصمام أمان للمشروع الوطني الجنوبي؛ إذ نجح بحنكة واقتدار في إعادة ضبط البوصلة الاستراتيجية لقضية شعب الجنوب، رابطاً بين إرث النضال التاريخي ومقتضيات العمل الدبلوماسي والميداني الحديث.
كما استطاعت القيادة الجنوبية أن توحد الصفوف، وتبدد مشاريع التفتيت وتصيغ رؤية سياسية واضحة المعالم لا تقبل القسمة ولا المساومة، تضع استعادة وبناء دولة الجنوب الفيدرالية الحديثة على رأس الأولويات غير القابلة للتردد.
وعلى خطوط النار والثغور، تترجم القوات المسلحة الجنوبية هذه العقيدة التحررية بيقظة باسلة وجاهزية قتالية احترافية حيث تقف درعاً حصيناً يحمي المكتسبات، ويجتث بؤر الإرهاب وميليشيات الغدر الحوثية، مؤكدة أن أمن الجنوب العربي واستقراره خط أحمر لا تهاون فيه.
إن الاصطفاف الجنوبي بين الحراك السياسي المحنك الذي يقوده الرئيس الزُبيدي، وبسالة أبطال القوات المسلحة والأمن، ترسم واقعاً جنوبياً صلباً يفرض حضوره على المستويين الإقليمي والدولي.
إن الاحتفاء بذكرى ثورة أكتوبر الخالدة يتجاوز حدود استذكار الماضي إلى تأكيد الحاضر وصناعة المستقبل؛ فالتضحيات الجسام التي سُفكت على محراب الحرية من ردفان إلى كل شبر في الجنوب تؤتي ثمارها واقعاً متجذراً لا يمكن تجاوزه.
وحيث يمضي قطار التحرير الجنوبي اليوم بخطى ثابتة ومدروسة، يقوده شعب عظيم وجيش فدائي وقيادة حكيمة لا تساوم على كرامة الوطن ، نحو الهدف الأسمى والأوحد وهو استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، وطناً حراً مستقراً لكل أبنائه.