4 مايو / د. أمين العلياني
حين تمتلك الشعوب قضية سياسية واضحة، وتعرف إلى أين تمضي، وتمنح ممثليها تفويضًا حرًّا للتعبير عن إرادتها، تصبح محاولات تعريفها من الخارج أو الإقليم نوعًا من المصادرة السياسية، ويغدو إلحاق مشروعها الوطني بإرادة الآخرين محاولة للهروب من الحقيقة لا لتفسيرها.
وهذه هي المسألة الواضحة التي ينبغي أن تُقرأ من خلالها إرادة شعب الجنوب العربي؛ فهي ليست فراغًا سياسيًّا يبحث عمّن يملؤه، ولا جماعة متمردة تنتظر من يمنحها اسمًا أو وظيفة، وإنما إرادة وطنية تشكّلت من تاريخ طويل النضال والكفاح والمقاومة، وبنيت على مداميك دولة كانت قائمة ودخلت في وحدة فشلت وصارت معها الشراكة عبر حروب انقلابية إلى احتلال حتى تكثّفت في قضية سياسية واضحة تطالب في استعادة دولتها، عبر مسارات من النضال والمقاومة والكفاح مشكلة مشروع تحرري محدد المعالم والغاية: استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.
وقد عبّرت هذه الإرادة، في صورتها السياسية الأوسع، عن نفسها عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، ومنحت قيادته، ممثلة بالرئيس عيدروس قاسم الزبيدي، تفويضًا شعبيًّا ظلّ وما زال قائمًا ومتجددًا بقدر ما ظلّت القضية التي حملها قائمة في وجدان الشعب.
ومن هنا فالتفويض الشعبي ليس ورقة تمنح مرة ثم تُسحب وفق رغبات العواصم الإقليمية، ولا شرعية تستأجرها القوى الإقليمية وتعيد توزيعها وفق خرائط مصالحها؛ إنه علاقة بين شعب وقضيته، وبين إرادة سياسية ومشروع وطني، ولا يملك الخارج أن يفسّر هذه العلاقة على هواه، فضلًا عن أن يختزلها في تصنيف سياسي أو تبعية مفترضة.
ومن هنا تبدأ خطورة السرديات التي تحاول اليوم إقحام الإرادة الجنوبية في مختبر التصنيفات الإقليمية؛ فبدل الاعتراف بأن الجنوب يمتلك قضية وشعبًا ومشروعًا وتمثيلًا سياسيًّا، يجري اختراع روايات تجعل المشروع التحرري إنتاجًا خارجيًّا، وتبحث عن أي عنوان قادر على انتزاع القرار الجنوبي من أصحابه. وبعد أحداث يناير، تصاعدت أصوات ومنصات إعلامية ممولة من الرياض والقوى اليمنية الإخوانية وموجهة عبر تلك الأدوات لتقديم مشروع المجلس الانتقالي بوصفه مشروعًا إماراتيًّا يخدم أجندات الآخرين، بل وذهب بعضها إلى محاولة ربطه بسرديات إسرائيلية وإقليمية لا علاقة لها بجوهر القضية الجنوبية، في محاولة مكشوفة لنقل الصراع من ميدانه الوطني إلى ميادين الدين والأيديولوجيا والاستقطاب المخل حتى بنوازع الخصام السياسي.
وقد كانت تلك السرديات المظللة ليست توصيفًا سياسيًّا بريئًا، بل محاولة لتفكيك البنية الداخلية للإرادة الجنوبية؛ إذ إن أسهل طريق لإضعاف شعب يجتمع على هدف واحد هو أن تُزرع بين أبنائه تعريفات متصارعة لهويتهم، وأن يُدفع الوطني إلى الشك في الوطني، وأن تتحول القضية السياسية إلى خصومة مذهبية أو أيديولوجية أو مناطقية، وحين يعجز الخصم عن هزيمة المشروع في ساحته، يحاول تغيير اسم الساحة نفسها.
وفي الجهة الأخرى، تظهر الوصاية حين تريد أن تمنح القضية الجنوبية تعريفًا ناقصًا ومسموحًا به؛ فتقبل منها المظلومية بوصفها حقوق اجتماعية تمثلها فئات مجتمعية عبر مجالس تنسيق، لكنها تتحفظ على السيادة بوصفها حقًّا سياسيًّا، وتقبل من الجنوب أن يكون قضية تاريخية قابلة للإدارة، لكنها تضع الخطوط الحمراء على توحيد كلية الجغرافيا الجنوبية التي تسعى إلى أن تتحول إلى مشروع دولة وقرار مستقل يتكامل فيه البعد الجغرافي مع القرار السياسي والسيادة مع الهوية الجامعة. ومن هنا لا تعود الوصاية مجرد رعاية سياسية، بل تقترب من معنى الانتداب غير المباشر، حين تُدار إرادة الشعوب بأدوات محلية، ويُسمح لها بالحركة داخل المساحة التي يرسمها الآخر، لا داخل الحدود التي ترسمها حقوقها الوطنية.
إن الإرادة التي تعرف نفسها لا تحتاج إلى من يعرّفها، والمشروع السياسي الذي يمتلك شرعيته من شعبه لا يقبل أن يُختزل في حسابات الحلفاء أو الخصوم. وليعلم من بأذنه صمم من أن الجنوب العربي ليس تابعًا في دفتر أحد، ولا ورقة قابلة للتداول بين العواصم الإقليمية والدولية، ولا قضية يمكن تفكيكها إلى مظالم اجتماعية حين يُراد إفراغها من مضمونها السياسي، بل هي قضية شعب قال كلمته في أكثر من محطة، ويتمسك بحقه في أن يكون صاحب القرار الأول والأخير في مستقبله.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه قضية شعب الجنوب ليس الخصومة الصريحة، بل الوصاية التي تتحدث باسمها، والتصنيف الذي يسرق منها اسمها، والسردية التي تحاول إقناعها بأنها ليست صاحبة مشروعها. فالإرادة الجنوبية التي دفعت أثمانًا باهظة من أجل حريتها لا تقبل أن تُصنَّف وفق مزاج أي طرف، ولا أن تُربط بمصالح أي دولة، ولا أن تستبدل وصايةً يمنية بوصاية سعودية، أو احتلالًا مباشرًا بانتداب محلي مقنّع.
إن من حق الدول أن تبحث عن مصالحها، ومن حق القوى الإقليمية أن تعقد تحالفاتها، لكن ليس من حق أحد أن يجعل مصالحه تعريفًا لهوية شعب آخر أو بديلًا عن إرادته. فالجنوب الذي يمتلك مشروعًا سياسيًّا واضحًا لا يحتاج إلى شهادة انتماء من أحد، ولا إلى إذن لكي يحلم بدولته. وبهذا فالشعوب قد تتحالف، لكنها لا تُؤجَّر؛ وقد تتعاون، لكنها لا تتنازل عن حقها في تقرير مصيرها، ومن يمتلك إرادةً ومشروعًا، لا يقبل تصنيفًا… ولا يرتهن لوصاية وهذه هي حقيقة قضية شعب الجنوب التي تحميها إرادة شعب ويمثلها مجلسًا انتقاليًّا ويقوده رئيسًا مفوضًا.