اخبار وتقارير

الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 09:06 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ تقرير / رامي الردفاني


يشهد الجنوب في المرحلة الراهنة تحولات سياسية عميقة تعكس حجم المتغيرات المتسارعة التي تمر بها المنطقة، في ظل واقع إقليمي ودولي شديد التعقيد أعاد ترتيب الأولويات وفرض مسارات جديدة على مختلف القوى الفاعلة. وفي قلب هذا المشهد يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الفاعل السياسي الأبرز في الساحة الجنوبية، والحامل الرئيسي لقضية شعب الجنوب في مختلف المستويات المحلية والإقليمية.


ولم تعد القضية الجنوبية اليوم مجرد ملف مرتبط بسياق الأزمة اليمنية، بل أصبحت قضية سياسية متكاملة الأبعاد، تتداخل فيها عناصر الهوية والتاريخ والجغرافيا والإرادة الشعبية، ما جعلها تحظى بحضور متزايد في الخطاب السياسي والإعلامي، وتفرض نفسها كإحدى القضايا المحورية في أي تسويات سياسية قادمة تخص المنطقة.


وقد جاء صعود المجلس الانتقالي الجنوبي نتيجة طبيعية لمرحلة من الانهيارات المتتالية التي طالت مؤسسات الدولة وتراجع الخدمات وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي خلق فراغاً سياسياً واسعاً في الجنوب. هذا الفراغ أسهم في بروز المجلس كقوة سياسية منظمة استطاعت أن تملأ جزءاً كبيراً من المشهد، مستندة إلى حضور شعبي واسع وقدرة على التعبير عن تطلعات الشارع الجنوبي.
ومع مرور الوقت، انتقل المجلس من إطار سياسي ناشئ إلى طرف رئيسي في المعادلة، مستفيداً من تماسك قاعدته الشعبية، وتنظيمه للفعاليات السياسية، إضافة إلى نجاحه في بناء علاقات إقليمية عززت من حضوره ودوره في الملفات المرتبطة بالجنوب.



كما ساهم هذا التراكم في ترسيخ موقعه كقوة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة سياسية مستقبلية .. وفي سياق متصل، باتت الهوية الجنوبية العربية تشكل محوراً أساسياً في الخطاب السياسي الجنوبي، إذ لم تعد مجرد شعار ثقافي، بل تحولت إلى إطار سياسي يعكس رؤية شاملة لمستقبل الجنوب.


ويؤكد هذا الخطاب أن الجنوب يمتلك خصوصيته التاريخية والسياسية، وأن هذه الهوية تشكلت عبر مراحل طويلة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً جوهرياً من المشروع السياسي القائم.


كما يحرص المجلس الانتقالي على إبراز الرموز الوطنية الجنوبية وتثبيت حضورها في الفضاء العام، مع التأكيد على الانتماء العربي للجنوب باعتباره جزءاً أصيلاً من محيطه الجغرافي والتاريخي، وهو ما أسهم في تعزيز الالتفاف الشعبي حول مشروعه السياسي، وترسيخ فكرة الهوية بوصفها أساساً للعمل السياسي.
وعلى المستوى الإقليمي، تمكن المجلس من بناء حضور سياسي متدرج عبر علاقات واتصالات مع أطراف فاعلة في المنطقة، مستفيداً من التحولات التي فرضتها الحرب في اليمن، ومن تزايد الاهتمام الدولي بملفات الأمن البحري واستقرار الملاحة وان هذا الحضور منح المجلس مساحة أوسع للتحرك، وأتاح له إيصال قضية الجنوب إلى مستويات سياسية ودبلوماسية متعددة.


وفي هذا الإطار، يبرز دور رئيس المجلس عيدروس الزبيدي بوصفه أحد أبرز الوجوه السياسية المعبرة عن المشروع الجنوبي، من خلال حضوره في المشهد الإقليمي ودوره في نقل القضية الجنوبية إلى طاولات النقاش السياسي في أكثر من مستوى.


ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك تحديات داخلية تواجه المشروع الجنوبي، في مقدمتها ضرورة تعزيز وحدة الصف الجنوبي وتجاوز التباينات بين المكونات السياسية، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والخدمية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر وتفرض ضغوطاً متزايدة على الواقع العام.



كما حققت القوات الجنوبية خلال السنوات الماضية حضوراً أمنياً وعسكرياً بارزاً، أسهم في تعزيز الاستقرار في عدد من المناطق، من خلال مواجهة التنظيمات المتطرفة وتأمين المدن والمنافذ الحيوية والمشاركة في حماية خطوط الملاحة. كما لعبت دوراً محورياً في جبهات القتال ضد جماعة الحوثي، وقدمت تضحيات كبيرة عززت من حضورها كقوة دفاعية مرتبطة مباشرة بحماية الجنوب.


وقد انعكس هذا الدور الأمني والعسكري على مستوى الاستقرار في عدد من المناطق، مقارنة بمراحل سابقة شهدت انفلاتاً أمنياً واسعاً، ما منح المشروع الجنوبي رصيداً إضافياً على المستويين الشعبي والسياسي، ورسّخ حضور القوات الجنوبية كإحدى ركائز الاستقرار.



كما لعب الإعلام الجنوبي دوراً مهماً في إعادة تشكيل الوعي العام، من خلال تسليط الضوء على قضايا الهوية والسيادة والتمثيل السياسي، ومواكبة التحركات السياسية، ما ساهم في تعزيز حضور القضية الجنوبية في الفضاء الإعلامي وتحويلها إلى قضية رأي عام متجددة.


ومع استمرار تعقيدات المشهد الإقليمي، تبدو القضية الجنوبية مرشحة للبقاء كأحد أبرز الملفات السياسية في المرحلة المقبلة، في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل مستقبل الجنوب مرتبطاً بقدرة قواه السياسية على تعزيز وحدتها، وتطوير مؤسساتها، وإدارة علاقاتها الخارجية بصورة متوازنة وفعالة.



كما يواصل المجلس الانتقالي الجنوبي ترسيخ حضوره كفاعل سياسي محوري، فيما تتعزز مكانة الجنوب كقضية سياسية ذات أبعاد تاريخية وهوياتية واستراتيجية، في مشهد مفتوح على احتمالات واسعة قد تعيد رسم ملامح المنطقة خلال المرحلة القادمة.