4مايو/تقرير خاص_مريم بارحمة
تشهد العاصمة عدن حراكاً شعبياً متصاعداً يأخذ شكلاً منظماً ومدروساً، تمثل في مسيرات راجلة تجوب المديريات الرئيسية، وتحمل رسائل سياسية واضحة في مضمونها وتوقيتها. لم تكن هذه التحركات مجرد تعبير عفوي عن حالة غضب أو احتجاج ظرفي، بل بدت أقرب إلى برنامج تصعيدي متكامل، يربط بين الفعل الميداني في الشارع، والخطاب السياسي الصادر عن قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، وبين التطورات الأمنية في حضرموت وشبوة.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه المسيرات في عدن لليوم الثالث على التوالي، تتأهب محافظتا الضالع وأبين لفعاليات جماهيرية كبرى، توصف بأنها مفصلية ضمن مسار الحشد الشعبي، خصوصاً مع الدعوة إلى "مليونية يوم الاثنين" في الضالع، والاحتشاد المرتقب في أبين، والفعالية الجماهيرية في مدينة الغيضة بمحافظة المهرة عصر يوم الجمعة 13 فبراير 2026م، بما يعكس انتقال الحراك من إطار محلي محدود إلى مشهد جنوبي واسع متعدد الجبهات.
-المسيرات الراجلة في عدن رمزية المكان ودلالة المسار
الملاحظ في المسيرات الراجلة في عدن أن خطوط سيرها لم تكن اعتباطية. فالمسيرة التي انطلقت من جولة السفينة في دار سعد، مروراً بجولة القاهرة في الشيخ عثمان، وصولاً إلى جولة كالتكس في المنصورة، رسمت مساراً يربط بين كبرى المديريات ذات الثقل السكاني والسياسي.
كما شهدت مديرية البريقة مسيرة انطلقت من جولة ميناء الزيت، مروراً بمنطقة بانافع حتى كورنيش كود النمر، بينما تحركت مسيرة أخرى من جولة حجيف في التواهي مروراً بالمعلا والعقبة الأولى والحمراء وصولاً إلى كورنيش الشهيد جعفر محمد سعد. هذه المسارات تكشف عن بعدين أساسيين: البعد الأول استعادة المجال العام في العاصمة عدن كفضاء للتعبير السياسي السلمي. بينما البعد الثاني توحيد رمزي لمديريات عدن المختلفة تحت شعار سياسي واحد، يعبر عن دعم القيادة الجنوبية ورفض ما يوصف بالممارسات القمعية في حضرموت وشبوة.
-الفعل الراجِل رسالة السلمية والانضباط
اختيار المسيرات الراجلة دون مظاهر مسلحة أو استعراضات عسكرية يحمل دلالة سياسية مهمة. فالرسالة الموجهة إلى الداخل والخارج أن الحراك الجنوبي الحالي يتمسك بالسلمية كخيار استراتيجي، حتى في ظل تصاعد التوترات الأمنية في بعض المحافظات. وقد شدد المشاركون في المسيرات على رفض الاعتقالات التعسفية في وادي وصحراء حضرموت، والتنديد بقمع المحتجين في شبوة، معتبرين أن تلك الممارسات تمثل انتهاكاً للقوانين الإنسانية وحقوق التعبير السلمي.
-حضرموت وشبوة المحرك الميداني للتصعيد
لا يمكن فهم زخم المسيرات في عدن دون ربطها بالأحداث التي شهدتها حضرموت، خاصة في وادي وصحراء المحافظة، حيث تتحدث بيانات وتصريحات عن حملات اعتقال وإجراءات أمنية مشددة. ويتعامل أنصار قضية الجنوب مع تلك الأحداث بوصفها محاولة لكسر الإرادة الجنوبية في واحدة من أهم المحافظات استراتيجياً واقتصادياً. لذلك جاءت المسيرات في عدن كرسالة تضامن مع أبناء حضرموت، وتأكيد أن أي تصعيد هناك لن يبقى محصوراً في نطاق جغرافي ضيق.
أما شبوة، فقد أُدرجت أيضاً في خطاب المسيرات، على خلفية ما وُصف بقمع المحتجين، وهو ما أضاف بعداً آخر للحراك، يتمثل في ربط المحافظات الثلاث (عدن – حضرموت – شبوة) ضمن سردية سياسية واحدة: "الدفاع عن الثوابت الجنوبية في مواجهة القمع".
-الدعوة للحشد من التعبئة إلى التعبير الجماهيري
البيانات الصادرة تحت عنوان "دعوة للحشد" اتسمت بلغة تعبئة واضحة، خاطبت أحرار وحرائر الجنوب، ودعت إلى الاحتشاد دعماً لمسيرة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، وتنديداً بالممارسات القمعية. هذا الخطاب لا يكتفي بالدعوة إلى المشاركة، بل يسعى إلى إعادة إنتاج هوية جماعية قائمة على مفاهيم النضال، والعهد، والثوابت الوطنية، واستعادة الدولة الجنوبية. وهي مفاهيم تتكرر في كل الفعاليات الكبرى، بما يعكس محاولة تأطير الحراك ضمن مشروع سياسي طويل الأمد، لا مجرد رد فعل على حدث طارئ.
-الضالع مليونية الاثنين بين التاريخ والدلالة
في محافظة الضالع، عقدت القيادة المحلية للمجلس الانتقالي اجتماعاً موسعاً للتحضير لمليونية الاثنين، برئاسة العميد عبدالله مهدي سعيد، وبحضور قيادات عسكرية وأمنية وشخصيات اجتماعية. الحدث الأبرز في الاجتماع كان الاتصال الهاتفي المباشر من الرئيس عيدروس الزبيدي، الذي حيا الروح النضالية لأبناء الجنوب، وجدد عبارته الشهيرة "عهد الرجال للرجال"، مؤكداً متابعته للتطورات الميدانية. هذا الاتصال لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل أدى وظيفة سياسية واضحة:
رفع معنويات القواعد التنظيمية، وربط القيادة المركزية بالحراك الميداني، وتأكيد وحدة القرار السياسي في لحظة تصعيد.
تاريخياً، تُقدَّم الضالع في الخطاب الجنوبي باعتبارها "قاعدة صلبة للمقاومة"، وحجر زاوية في المشروع التحرري. لذلك فإن أي فعالية جماهيرية فيها تكتسب بعداً رمزياً مضاعفاً. مليونية يوم الاثنين 16 فبراير 2026م، لا تُقرأ فقط بوصفها تظاهرة دعم، بل كمحطة سياسية ضمن برنامج تصعيد شامل يشمل العاصمة عدن وعموم محافظات الجنوب، ويراد لها أن تبعث برسالة إلى الداخل والخارج بأن القاعدة الشعبية ما تزال متماسكة خلف قيادتها.
-أبين البعد الاستراتيجي للاحتشاد
إلى جانب عدن والمهرة والضالع، تتجه الأنظار إلى أبين، المحافظة ذات الثقل العسكري والسياسي، والتي لطالما كانت ساحة تجاذبات أمنية معقدة.
الدعوة للاحتشاد في زنجبار عاصمة محافظة أبين يوم السبت 14 فبراير 2026م، تحمل دلالات عدة منها: تأكيد أن الحراك ليس محصوراً في العاصمة عدن، وتعزيز صورة الاصطفاف الجنوبي العابر للمحافظات. وتوجيه رسالة بأن أي تصعيد في حضرموت أو شبوة سيقابله حراك شعبي واسع في محافظات أخرى.
وبذلك يتحول الاحتشاد في أبين والضالع إلى جزء من معادلة ضغط سياسي متكاملة، تتجاوز حدود الاحتجاج التقليدي.
-بين الشارع والسياسة دلالات الرسائل الموجهة
الرسالة إلى الداخل الجنوبي تأكيد وحدة الصف، وتجديد العهد خلف القيادة السياسية، وتثبيت السلمية كخيار مرحلي. بينما الرسالة إلى الخصوم السياسيين رفض الاعتقالات والإجراءات القمعية، واعتبار أي استهداف لمحافظة جنوبية استهدافاً للمشروع ككل. أما الرسالة السياسية إلى المجتمع الدولي إبراز أن قضية شعب الجنوب ما تزال حاضرة شعبياً، والتأكيد أن المجلس الانتقالي الجنوبي يمتلك قاعدة جماهيرية منظمة وقادرة على الحشد.
-التصعيد المنضبط بين التعبئة والاحتواء
رغم لهجة التصعيد في البيانات، إلا أن طبيعة الفعاليات – مسيرات راجلة، تجمعات سلمية، برامج زمنية محددة – تشير إلى محاولة الحفاظ على "التصعيد المنضبط"، أي رفع سقف الضغط السياسي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وهذا النمط من الحراك يهدف إلى: إبقاء زمام المبادرة بيد القيادة السياسية. وتجنب إعطاء مبررات لأي قمع مفرط، والمحافظة على صورة الحراك كحراك سلمي مشروع.
-السيناريوهات المحتملة
ويرى محللون سياسيون مع استمرار المسيرات في العاصمة عدن والفعالية الجماهيرية في المهرة، والاستعداد لمليونية الضالع واحتشاد أبين، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات: استمرار التصعيد السلمي المنظم، مع اتساع رقعة الفعاليات لتشمل محافظات جنوبية إضافية. واحتواء سياسي عبر تفاهمات أو تهدئة ميدانية في حال تم تخفيف الإجراءات الأمنية في حضرموت وشبوة. انزلاق إلى توتر أمني أوسع إذا ترافقت الفعاليات مع احتكاكات ميدانية أو تدخلات قسرية.
حتى الآن، يبدو أن الخيار الأول هو الأرجح، في ظل حرص القيادة على إبقاء الحراك في إطاره السلمي.
-عدن تمشي والجنوب يعيد رسم مشهده
المسيرات الراجلة في عدن لم تكن مجرد حركة أقدام في شوارع العاصمة، بل بدت كأنها إعادة رسم لخريطة سياسية تتشكل من جديد. ومع اقتراب "مليونية الاثنين" في الضالع، والدعوة للاحتشاد في أبين، والفعالية الجماهيرية في المهرة يتضح أن الجنوب يدخل مرحلة جديدة من التعبير الجماهيري المنظم.
إنه مشهد تتداخل فيه الرمزية بالتاريخ، والجغرافيا بالسياسة، والشعار بالفعل الميداني. وبينما يرفع المشاركون لافتاتهم مرددين عبارات العهد والثوابت، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتحول هذه الموجة من الحشد إلى نقطة تحول سياسية أوسع، أم أنها ستظل محطة ضمن مسار طويل من الصراع والتفاوض؟
في كل الأحوال، فإن ما يجري اليوم في العاصمة عدن والضالع وأبين والمهرة وسقطرى يعكس حقيقة واحدة: أن الشارع الجنوبي ما يزال فاعلاً، وأن المسار السياسي لا يُكتب في الغرف المغلقة وحدها، بل يُرسم أيضاً على الأرصفة، وفي الساحات، وعلى وقع خطوات المسيرات الراجلة.