4 مايو/ تحليل / د . يحيى شايف ناشر الجوبعي:
أ- المقدمة :
بعد أن نجح العليمي في استدراج الشقيقة من موقع الحليف المفترض لقضية شعب الجنوب إلى موقع الشريك في إعادة إنتاج واقع السيطرة على الجنوب.
مما سهل من مهمة العليمي ليوقعها في مأزق ثاني حين أوهمها بأن التخلص من الحق السيادي للجنوب يكمن في حرف مسار التفاوض الخارجي بين المملكة والجنوبيين إلى مسار حوار داخلي ملتبس يعاد فيه تقديم القضية الجنوبية وكأنها قضية نزاع داخلي (جنوبي - جنوبي).
ولأن الشقيقة لا تستطع في هذا التحول الخطير أن تختفي كليا عن موقعها كطرف فاعل في أعادة احتلال الجنوب ، فقد أوقعها العليمي في مازق ثالث حين أوهمها بأن مخرج الأزمة يكمن في إعادة تموضعها من طرف تفاوضي مباشر مع الجنوبيين إلى وسيط يرعى حوارا وهميا بينهم.
يهدف هذا التحول إلى تفريغ الحق السيادي الجنوبي من مضمونه الجوهري ، عبر إنزال الصراع من مستواه السيادي إلى مستوى خلاف داخلي مدار ،بما
يسمح بتأجيل الحسم الحقيقي وإعادة ضبط سقف المطالب.
١- الأهمية :
تنبع أهمية هذا الطرح من كونه يكشف الانتقال المتعمد في إدارة قضية شعب الجنوب من سؤال تفاوضي مباشر بين الجنوب والشقيقة بوصفها الفاعل الإقليمي الاكثر تأثيرا ، إلى مسار داخلي معاد هندسته سلفا ، يحمل فيه الجنوبيون مسؤولية حسم قضية لم يكونوا أصلا من صاغ شروط تعطيلها .
وبهذا تصبح القضية ليس بوصفها بحثا عن حل عادل ، بل بوصفها عملية إعادة تعريف لموقع المسؤولية وإزاحة مركز الصراع بعيدا عن جوهره السيادي الحقيقي .
٢- الأهداف :
يهدف هذا التحليل إلى تفكيك منطق الهروب السياسي الكامن خلف الدعوة إلى ما يسمى بالحوار الجنوبي - الجنوبي وبيان كيف يستخدم هذا المسار بوصفه بديلا شكليا عن تفاوض سعودي-جنوبي صريح يفترض أن يتناول جوهر القضية لا مظاهرها.
كما يسعى إلى كشف الكيفية التي يعاد بها إنتاج الوصاية عبر أدوات ناعمة ، تقدم بوصفها تمكين وهي في حقيقتها إعادة ضبط للسقف السياسي وضمان عدم تجاوزه .
٣- أسباب اختيار الموضوع.
جاء اختيار هذا الموضوع في ظل تصاعد خطاب انقسامي مضلل يحمل الجنوبيين مسؤولية تعطيل الحل ، متجاهلا أن هذا الانقسام ذاته هو نتاج مباشر لإدارة خارجية للصراع .
فما يسمى بالحوار الجنوبي - الجنوبي لا يطرح اليوم بوصفه حقا تنظيميا داخليا طبيعيا ، بل يطرح كآلية بديلة عن استحقاق تفاوضي مؤجل هدفها امتصاص الضغط السياسي لا معالجة جذوره البنيوية.
٤- الإشكالية :
تتمثل الإشكالية المركزية في أن استبدال التفاوض السعودي-الجنوبي بحوار جنوبي-جنوبي يحول القضية من صراع على السيادة إلى خلاف على التمثيل ، ومن مواجهة سياسية واضحة المعالم إلى جدل داخلي مفرغ من القدرة على إحداث اختراق تاريخي.
وهو ما يؤدي إلى إعادة تعريف قضية شعب الجنوب من قضية تحرر وطني إلى أزمة جنوبية في محاولة لإبعاد مسألة احتلال الجنوب عن مركز النقاش .
٥- الفرضيات :
ينطلق البحث من فرضية مفادها أن الدعوة إلى الحوار الجنوبي- الجنوبي ليست مسار حل ، بل آلية هروب سياسي من استحقاق التفاوض المباشر حول مستقبل الجنوب.
فبدلا من أن يقود هذا المسار إلى تقرير المصير يراد له أن يعيد تدوير القضية داخل فضاء جنوبي داخلي مراقب لإنتاج توافقات بلا سيادة.
٦- المنهج :
يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي مع الاستفادة من روح المناهج كلها .
ب- المدخل :
لم يكن مؤتمر الشقيقة للحوار الجنوبي-الجنوبي تعبيرا عن اعتراف بالحق السيادي لقضية شعب الجنوب ، بل جاء بوصفه استجابة اضطرارية لواقع سياسي فرض الاعتراف بقوة الجنوب ، قابله في الوقت ذاته رفض ضمني من الشقيقة لتحويل هذه القوة إلى حق سيادي معترف به.
وبدل من الذهاب إلى تفاوض مباشر بين الشقيقة والجنوبيين لوضع هذا الحق على الطاولة ، جرى الالتفاف عليه عبر إحالة القضية إلى حوار داخلي جنوبي جنوبي ، وفي هذا السياق أعيد تعريف دور المجلس الانتقالي من حامل سياسي للحق السيادي للجنوب إلى طرف ضمن مشهد تعددي مدار ، كما أعيد توظيف رئاسة مجلس القيادة بوصفها غطاء إجرائيا ، وكل ذلك بإدارة غير معلنة من قبل الشقيقة ، لتظهر بمظهر المنسق من الخلف ، لا الطرف المسؤول عن مسار الصراع .
وبهذه الهندسة لم يلغ الجنوب ظاهريا ، إنما أعيد ترتيبه داخل معادلة لا تسمح له بتجاوز سقف الوحدة المعاد إنتاجها .
ج- تحليل نقاط القراءة:
أولا: الحوار الجنوبي - الجنوبي كبديل عن التفاوض السعودي - الجنوبي.
إن أي حوار يبدو في ظاهره فعلا إيجابيا ، بل ضرورة في أي سياق سياسي تعددي.
غير أن خطورة هذا الحوار تتجلى حين يطرح لا بوصفه أداة تنظيم داخلية ، بل بوصفه بديلا عن التفاوض السيادي الذي يستمد شرعيته من البيان السياسي والإعلان الدستوري المقرين من قبل قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية في ٢ / يناير ٢٠٢٦م.
وبهذا الالتفاف يتحول الحوار من فضاء لإنتاج الإرادة إلى أداة إزاحة ، حيث يستبدل سؤال ماذا يريد الجنوب؟ بسؤال من يمثل الجنوب؟ ويستبدل النقاش حول الحق السيادي بنقاش لغوي إجرائي حول الصيغ والمسميات.
وبهذه الحالة نحن أمام عملية تفريغ للمعنى ؛ إذ ينقل الصراع من مستوى الحق السيادي إلى مستوى الخطاب اللغوي الموارب، ومن مستوى الفعل السياسي إلى مستوى الجدل الإجرائي.
ويعاد تعريف القضية لا باعتبارها قضية وجود سيادي ، بل باعتبارها مشكلة إدارة اختلاف.
وبهذا المعنى ، لا يقدم الحوار الجنوبي - الجنوبي كمسار يقود إلى تقرير المصير ، بل كمساحة امتصاص تفرغ فيها المطالب الكبرى داخل نقاشات فرعية ، لا تملك القدرة البنيوية على إنتاج قرار سيادي ، بل تكتفي بإدارة التوتر ومنع انفجاره.
ثانيا: تفكيك المسؤولية وإعادة توجيه الصراع.
الأخطر في هذا المسار ليس الحوار بحد ذاته، بل ما ينتجه من تفكيك للمسؤولية السياسية ،إذ تعاد هندسة الصراع بحيث يتحول من مواجهة بين الجنوب وقوة خارجية فاعلة إلى خلاف داخلي بين الجنوبيين أنفسهم.
بهذا التحول ، يراد للشقيقة أن تنزاح من موقع الطرف المسؤول إلى موقع الراعي المحايد ، وكأن الصراع لم يكن يوما نتيجة تدخلات وإدارات إقليمية ، بل محض عجز جنوبي عن الاتفاق.
غير أن الفلسفة السياسية تعلمنا أن المسؤولية لا تسقط بتغيير اللغة ، ولا تلغى بإعادة توصيف الأدوار. فالسلطة التي تملك التأثير الفعلي في مسار الصراع تظل طرفا فيه، مهما حاولت التخفي خلف واجهات الوساطة.
إن تحويل الشقيقة إلى راع لحوار داخلي وهمي، كما أوهمها العليمي ، لن يعفيها من مسؤوليتها التاريخية بوصفها طرفا فاعلا أساسيا في معادلة تتطلب تفاوضا مباشرا يفضي إلى تقرير مصير الجنوب.
فقضية الجنوبيين ليست خلافا مع ذواتهم ، بل صراعا مع بنية إقصاء تاريخي وإدارة خارجية للصراع.
كما أن محاولة تقديم الأزمة بوصفها نتاج خلاف داخلي لا تعدو كونها إعادة إنتاج للوصاية بلغة ناعمة .
والشقيقة بحكم موقعها ومعرفتها بتفاصيل الصراع تدرك هذه الحقيقة أكثر من غيرها، مهما حاول الخطاب السياسي إخفاءها .
د- النتائج
تمكنت هذه القراءة للوصول إلى الكثير من النتائج نورد أبرزها على النحو الآتي :
١- الحوار الجنوبي -الجنوبي ، بصيغته الحالية، بديل عن تفاوض مؤجل لا عن حل حقيقي.
٢- إحالة القضية إلى حوار داخلي جنوبي جنوبي تعني إزاحة المسؤولية عن الفاعل الإقليمي .
٣- تحويل الصراع من سيادي إلى تمثيلي يفرغ القضية من جوهرها.
٤- إدارة الخلاف تحل محل الاعتراف بالحق .
٥- الرعاية الخارجية للحوار لا تعني الحياد بل التحكم بالسقف.
٦- التعدد المدار يستخدم لتفتيت الإرادة لا لإثرائها.
٧-غياب التفاوض المباشر يعني بقاء القضية في حالة تعليق دائم .
٨-هروب الشقيقة من التفاوض السعودي الجنوبي إلى الحوار الجنوبي الجنوبي ليس إلا عملية التفاف على الحق السيادي للجنوب وعلى المجلس الانتقالي كحامل سياسي للحق السيادي الجنوبي وعلى الرئيس المفوض من قبل الشعب الجنوبي الاخ الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية
ه-التوصيات
خرجت هذه القراءة المتواضعة بعدة توصيات أبرزها الآتي:
١- التمسك وبقوة بالمجلس الانتقالي الجنوبي كونه الحامل السياسي للحق السيادي الدلجنوبي وثمرة نضال ٣٠ عاما.
٢- التمسك وبقوة بالرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية كونه الرئيس الشرعي المفوض من قبل شعب الجنوب
٣-التأكيد أن أي حوار داخلي لا يغني عن تفاوض سيادي مباشر مع الشقيقة كونها القوة المسيطرة على الجنوب.
٤- رفض تحميل الجنوب مسؤولية تعطيل حل لم يمنح شروطه أصلا.
٥- الفصل بين الحوار كأداة تنظيم ، والحوار كبديل عن الحق السيادي .
٦- المطالبة بتحديد موقع المملكة كطرف لا كراع فقط.
٧- إعادة مركزية حق تقرير المصير في أي مسار سياسي .
٨- منع تحويل الخلاف الداخلي إلى ذريعة لإلغاء الحق السيادي لقضية شعب الجنوب
٩- عدم القبول بسقف مسبق للحوار يقصي استعادة الدولة الجنوبية.
١٠- ربط أي توافق داخلي باستحقاق سيادي واضح.
١١-إعادة تعريف الاستقرار بوصفه ناتج عدالة لا بديلا عنها.
١٢-كشف خطاب الهروب السياسي المغلف بلغة الشراكة.
١٣-التأكيد على أن الحوار الحقيقي يبدأ حين يتم الاعتراف بأن الشعب الجنوبي صاحب حق أصيل في تقرير مصيره.
١٤- الجنوب خط احمر وأي حوار جنوبي جنوبي يجب أن يعقد تحت سقف تقرير المصير لحق الشعب الجنوبي في استعادة دولته وإلا فلا شرعية له.
و- الخلاصة :
إن نقل قضية شعب الجنوب من طاولة التفاوض السعودي -الجنوبي إلى قاعة حوار جنوبي-جنوبي ليس تقدما في الحل ، بل إعادة تموضع للأزمة بهدف توظيفها وتدميرها وتأجيلها .
لأن الحوار الذي لا يلامس جوهر الصراع ، لا يحله ، بل يؤجله .
والتحرر لا يبدأ حين يتصالح الضحايا فيما بينهم ، بل حين يسمى المسؤول باسمه ، ويعاد الحق إلى أصحابه ، بلا وساطة تفرغه ، ولا لغة تدجنه.
*أكاديمي ومحلل سياسي