اخبار وتقارير

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 08:29 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / تحليل / د . يحيى شايف ناشر الجوبعي

١- المقدمة :

تمثل الحشود الجماهيرية الكبرى في التاريخ السياسي الحديث لحظات فارقة لا يمكن اختزال دلالاتها في الأعداد أو المشاهد البصرية وحدها ، بل تقاس بقدرتها على إنتاج الوعي الجمعي وإعادة تشكيل موازين القوة وإعادة تعريف العلاقة بين الشعب والقيادة والفضاء الإقليمي المحيط.
وفي هذا السياق تبرز المليونية الجنوبية الأخيرة بوصفها حدثا تاريخيا استثنائيا ، تجاوز حدود الفعل الاحتجاجي التقليدي ، لتغدو ظاهرة سياسية ذات أبعاد وطنية وإقليمية ودولية.
لقد شكلت هذه المليونية التي امتدت جغرافيا وبشريا على نحو غير مسبوق ، تعبيرا كثيفا عن الإرادة الشعبية الجنوبية وعن نضج الوعي السياسي الجمعي وعن الالتفاف الواعي حول قيادة سياسية محددة المعالم والبرنامج.
كما عكست تحولا نوعيا في أدوات الفعل السياسي السلمي ، حيث لم يعد الحشد غاية في ذاته ، بل وسيلة ضمن مسار تصاعدي منظم يستهدف تحقيق الاستحقاقات الوطنية الجنوبية ، وفي مقدمتها استعادة الدولة عبر آليات سياسية ودستورية واضحة ، كما أعلن عنها الأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي في الثاني من يناير ٢٠٢٦م.

٢- تحليل نقاط الدراسة:

أولا : المليونية التي جددت التفويض للرئيس عيدروس الزبيدي .

جسدت هذه المليونية مفهوم تجديد التفويض الشعبي للأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية بوصفه عملية سياسية واعية ، لا مجرد تعبير عاطفي أو استجابة آنية لدعوة قيادية.
فقد كشفت المشاركة الواسعة والطوعية عن مستوى عال من الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب وعن إدراك جمعي لطبيعة المرحلة ومتطلباتها.
لقد تجاوز الرئيس عيدروس الزبيدي في هذه اللحظة السياسية موقعه الرسمي ، ليغدو رمزا جامعا للمشروع الوطني الجنوبي ، وقائدا استطاع أن يوازن بين الشرعية الثورية والشرعية السياسية وبين الخطاب العقلاني والتأثير الجماهيري.
ويظهر هذا التفويض أن القيادة لم تعد تفرض من أعلى ، بل تنتج من داخل الوعي الشعبي ، بوصفها شراكة في القرار والمصير وهو ما يفسر متانة الالتفاف الشعبي حولها.

ثانيا : المليونية التي رفضت إعادة الاحتلال اليمني إلى الجنوب .

تمثل هذه المليونية موقفا سياسيا واضحا وحاسما من مسألة جوهرية في الوعي الجنوبي المعاصر ، تتمثل في رفض أي محاولات لإعادة إنتاج الاحتلال اليمني للجنوب أو فرض وصاية سياسية أو عسكرية تحت أي مسمى. فقد عبرت الجماهير من خلال حضورها المنظم والسلمي ، عن رفضها القاطع لعودة قوى الاحتلال اليمني الإرهابية الحوثية منها والإخوانية إلى الجنوب ٠
كما كشفت المليونية عن فشل المقاربات السياسية التي حاولت تجاوز الإرادة الجنوبية أو الالتفاف عليها عبر أدوات الضغط الإقليمي أو المناورات السياسية. وأظهرت أن أي مشروع لا يستند إلى قبول شعبي حقيقي في الجنوب ، ولا يعترف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم ، محكوم عليه بالفشل ، بل أنه يشكل عامل تهديد للاستقرار الإقليمي .
إن هذا الرفض الجماعي لا يفهم بوصفه موقفا عدائيا ،بل باعتباره تعبيرا عن حق سياسي مشروع يهدف إلى إنهاء حالة الصراع المفتوح ، وبناء علاقة جديدة قائمة على الندية والاعتراف المتبادل ، لا على الإكراه وإعادة إنتاج الأزمات.

ثالثا : المليونية التي أيقظت المملكة الشقيقة.

حملت هذه المليونية رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى الفاعلين الإقليميين ، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية الشقيقة ، مفادها أن الجنوب لم يعد ساحة قابلة للإدارة من خارج إرادته الشعبية. فقد أعادت هذه الحشود فرض معادلة جديدة في فهم الواقع الجنوبي ، تقوم على أن الاستقرار لا يمكن تحقيقه إلا عبر تمكين القوى التي تحظى بتفويض شعبي حقيقي.
ولهذا أبرزت المليونية أن تجاهل الإرادة الجنوبية ، أو التعامل معها من منظور أمني أو توظيفي تكتيكي ضيق ، من شأنه أن يفتح فراغات سياسية وأمنية خطيرة ، ستسغلها قوى الاحتلال اليمني الإرهابية الإخوانية منها والحوثية بما يهدد الأمن الإقليمي والدولي في واحدة من أكثر المناطق الجغرافية حساسية وستكون المملكة أول وأكبر الخاسرين من ذلك.
ومن ثم فإن إعادة تقييم السياسات الإقليمية تجاه الجنوب باتت ضرورة استراتيجية لا خيارا سياسيا مؤجلا .

رابعا : المليونية التي أذهلت دول العالم .

لقد أذهلت هذه المليونية الكبرى المجتمع الدولي من حيث حجمها ، وسلميتها، ومستوى التنظيم والوعي الذي رافقها.
ولهذا فقد قدمت نموذجا متقدما في الحراك السياسي السلمي ، بعيدا عن الفوضى والعنف ، وهو ما يعكس تطور الثقافة السياسية في المجتمع الجنوبي.
كما أكدت هذه المليونية على مركزية المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه حاملا سياسيا للمشروع السيادي للجنوب لكونه يمتلك قاعدة شعبية واسعة ورؤية سياسية واضحة وقدرة على إدارة الحراك الجماهيري ضمن أطر سلمية ومسؤولة .
وبذلك تحولت المليونية إلى رسالة دولية تؤكد أن قضية شعب الجنوب لم تعد مسألة داخلية ، بل قضية سياسية ناضجة ذات أبعاد إقليمية ودولية.

٣- الخاتمة :

تؤكد الدراسة أن هذه المليونية الجنوبية العظمى لا يمكن النظر إليها بوصفها حدثا عابرا أو حالة انفعالية مؤقتة، بل تمثل لحظة تاريخية مفصلية أعادت تعريف العلاقة بين الشعب والقيادة ورسخت مفهوم التفويض الشعبي وفرضت حقائق جديدة على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد أثبتت هذه المليونية أن الإرادة الشعبية الواعية قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة وأن القيادة المستندة إلى الشرعية الجماهيرية تملك القدرة على تحويل الحشد السلمي إلى أداة تغيير فعالة.
كما أكدت أن مستقبل الجنوب يتجه نحو مسار سياسي واضح تقوده إرادة شعبية موحدة، وتسنده قيادة تحظى بالثقة والتفويض.
وعليه فإن هذه المليونية تشكل نموذجا معاصرا للثورة السلمية التصاعدية ودليلا على أن الشعوب حين تمتلك الوعي والتنظيم والقيادة قادرة على فرض حضورها في التاريخ وصناعة مستقبلها بإرادتها الحرة.

*أكاديمي ومحلل سياسي