4 مايو / تقرير: مريم بارحمة
يمر الجنوب العربي اليوم بمرحلة مفصلية، لا يمكن فصلها عن تراكمات عقود من الصراع والتهميش والإقصاء، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي انتقاله بالملف الجنوبي من دائرة المطالب والبيانات إلى فضاء الفعل السياسي المنظم، عبر إعلان سياسي واضح المعالم، وإعلان دستوري يؤسس لإطار قانوني انتقالي، مدعوماً بموقف حازم في إدانة أي اعتداءات تستهدف الجنوب أرضاً وإنساناً وقواتٍ ومقدرات.
هذه الخطوات، التي جاءت استجابة مباشرة لإرادة شعبية متصاعدة، وحشود جماهيرية غير مسبوقة، لا تمثل مجرد تحرك سياسي عابر، بل تشكّل منعطفاً تاريخياً في مسار قضية شعب الجنوب، وتؤكد أن الجنوب بات يمتلك اليوم رؤية سياسية متكاملة، وأدوات دستورية، وخطاباً عقلانياً موجهاً للداخل والخارج في آنٍ واحد.
-الإعلان السياسي من التعبير عن الإرادة إلى تنظيمها
يكتسب الإعلان السياسي الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي أهميته من كونه وثيقة تقرأ الواقع بوعي، وتخاطب المستقبل بمسؤولية. فهو لا ينطلق من منطق الصدام أو فرض الوقائع بالقوة، بل من قراءة دقيقة للتحولات الميدانية والسياسية، ولحجم التفويض الشعبي الذي حازه المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه حاملاً سياسياً لقضية شعب الجنوب.
الإعلان السياسي يقرّ، بوضوح غير قابل للتأويل، بأن ما تحقق من إنجازات أمنية وعسكرية وإدارية في محافظات الجنوب لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تضحيات جسيمة، وإرادة شعبية صلبة استطاعت أن تنتزع حقها في إدارة شؤونها، وتأمين أرضها، وتجفيف منابع الفوضى والإرهاب والتهريب، وحماية مواردها من الاستنزاف.
ومن هنا، يضع الإعلان السياسي هذه المنجزات في سياقها الطبيعي: خطوة مسؤولة نحو استعادة الدولة الجنوبية، لا باعتبارها تهديداً للإقليم، بل باعتبارها عامل استقرار، وشريكاً صادقاً لمحيطه العربي والدولي.
-الحشود الجماهيرية الشرعية الشعبية تتقدم
يشدد الإعلان السياسي على أن الحشود الجماهيرية الواسعة التي عمّت مختلف محافظات الجنوب ليست فعلاً عاطفياً أو لحظة انفعال، بل تعبير ناضج عن وحدة الصف الجنوبي، وتلاقي الإرادة الشعبية حول مشروع سياسي واضح، عنوانه الأمن والاستقرار والتنمية، وهدفه استعادة الدولة.
وهنا، يبرز البعد الأهم في الخطاب الانتقالي: الشرعية لا تُستمد من السلاح ولا من الخارج، بل من الناس. وهو ما يدحض كل محاولات التشكيك أو التقليل من تمثيل المجلس الانتقالي، ويضعه في موقع الفاعل السياسي الذي يستند إلى قاعدة شعبية واسعة، وإلى تفويض معلن ومتجدد.
-المرحلة الانتقالية
إعلان الدخول في مرحلة انتقالية مدتها سنتان يمثل ذروة النضج السياسي في خطاب المجلس الانتقالي. فالانتقال من مطلب الاستعادة إلى تنظيمها زمنياً وقانونياً يعكس فهماً عميقاً لتعقيدات الواقع المحلي والإقليمي والدولي.
المرحلة الانتقالية، كما وردت في الإعلان، ليست تأجيلاً للحق، بل إدارة ذكية له، بما يضمن:
تجنب الصراعات والانقسامات، وحماية الجنوب من أي فراغ سياسي أو مؤسسي، وطمأنة الشمال والإقليم بأن المسار الجنوبي ليس مشروع فوضى، وفتح نافذة حقيقية لحوار برعاية دولية، يستند إلى قواعد واضحة.
وفي هذا السياق، تأتي الدعوة الصريحة للمجتمع الدولي لرعاية حوار شامل، وصولاً إلى استفتاء شعبي حر وشفاف، باعتباره تتويجاً قانونياً لحق تقرير المصير، ووسيلة حضارية لإنهاء نزاع طويل.
-الإعلان الدستوري
إذا كان الإعلان السياسي قد رسم الاتجاه، فإن الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي قد وضع الأساس القانوني والمؤسسي للمرحلة الانتقالية. فالدولة، في المفهوم الحديث، لا تُعلن بالشعارات، بل بالدساتير والقوانين والمؤسسات.
الإعلان الدستوري جاء ليؤكد أن الجنوب لا يسعى إلى كيان مؤقت أو سلطة أمر واقع، بل إلى دولة منظمة، تحكمها القواعد، ويعلو فيها الدستور فوق الجميع.
وقد تضمّن الإعلان مواد جوهرية تنظم:
شكل السلطة الانتقالية، آليات التعديل الدستوري، تسلسل الخلافة في حال شغور المناصب، اليمين الدستورية التي تُكرّس الولاء للدولة والشعب، لا للأشخاص.
وهذا بحد ذاته رسالة سياسية بالغة الأهمية الجنوب يتجه نحو دولة مؤسسات، لا دولة أشخاص.
-هوية الدولة القادمة
نص الإعلان الدستوري على أن يتم تحديد شعار الدولة وعلمها ونشيدها الوطني بقانون يصدر عن رئيس الدولة خلال المرحلة الانتقالية، وهو تأكيد على أن الهوية الوطنية الجنوبية سيتم بناؤها ضمن إطار مؤسسي جامع، يعكس التعدد والتاريخ والخصوصية الجنوبية.
كما أن صيغة اليمين الدستورية الواردة في الإعلان تشكل حجر زاوية في بناء العقد الاجتماعي الجديد، حيث تُقدّم الولاء لدولة الجنوب العربي، واستقلالها، ووحدة أراضيها، ومصالح شعبها، بوصفها قيماً عليا لا تقبل المساومة.
-بيان الإدانة السيادة خط أحمر
في موازاة الإعلانين السياسي والدستوري، جاء بيان الإدانة الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي ليؤكد أن المسار السلمي لا يعني التفريط بالسيادة، وأن اليد الممدودة للحوار لا تلغي الحق في الدفاع عن الأرض والإنسان.
بيان الإدانة يعكس توازناً دقيقاً بين الانفتاح السياسي والحزم الوطني، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن أي اعتداء على الجنوب أو قواته أو مكتسباته سيُواجه بموقف موحد، يستند إلى الشرعية الشعبية، والحق المشروع في الدفاع عن النفس.
-الجنوب كشريك لا كعبء
من أهم ما يميز الخطاب السياسي في هذه الوثائق الثلاث، أنه لا ينظر إلى الشمال بوصفه خصماً دائماً، بل يقدّم الجنوب كشريك محتمل خلال المرحلة الانتقالية، وداعماً لأي جهد حقيقي لمواجهة الانقلاب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار.
هذا الطرح يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تدرك أن استقرار الجنوب لا ينفصل عن استقرار الإقليم، وأن الدولة الجنوبية القادمة يمكن أن تكون عنصراً فاعلاً في الأمن الإقليمي، لا مصدر تهديد.
-إعلان الدولة يبدأ من هنا
ما صدر عن المجلس الانتقالي الجنوبي من إعلان سياسي، وإعلان دستوري، وبيان إدانة، لا يمكن قراءته كحدث منفصل، بل كحزمة سياسية متكاملة، تُعلن بوضوح أن الجنوب دخل مرحلة جديدة من تاريخه، عنوانها التأسيس الواعي للدولة.
إنها مرحلة تتطلب وعياً شعبياً، وتماسكاً وطنياً، ومسؤولية سياسية، لكنها في المقابل تفتح أفقاً حقيقياً أمام شعب الجنوب ليقول كلمته، لا في الشارع فقط، بل في الدستور، وفي صناديق الاستفتاء، وفي مؤسسات الدولة الجنوبية القادمة.
الجنوب اليوم لا يرفع شعار الدولة فحسب، بل يضع أسسها خطوة خطوة، وبإرادة شعب، وبعقل دولة.