كتابات وآراء


السبت - 29 نوفمبر 2025 - الساعة 08:36 م

كُتب بواسطة : ياسمين الزُّبيدي - ارشيف الكاتب




تعود علينا ذكرى الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م حاملةً عبق المجد وعظمة التضحية، وتاريخًا لا يمكن أن يمحوه الزمن من ذاكرة الجنوب. إنه اليوم الذي تجلّت فيه الكرامة، وتنفسّت فيه الأرض حرّيتها بعد كفاح مرير وطويل، تُوِّج برحيل آخر جندي من جنود المستعمر البريطاني بعد مكوثه على صدر شعب الجنوب 129 عامًا، ليشرق بذلك فجر جديد من السيادة والكرامة.

في مثل هذا اليوم من عام 1967م، سطّر أبناء الجنوب بحروف من نارٍ ودمٍ ملحمة الفداء في أبهى صورها، راسمين لوحة النصر العظيم الذي لم يكن وليد ليلةٍ وضحاها.

إن الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر العظيم جاء نتيجةً لكفاح بدأ بالوعي الوطني، فأشعلت ناره الجبال والسواحل والمدن، وسقاه الشهداء بدمائهم الطاهرة، فكان الاستقلال حقًا مكتسبًا لأبناء هذه الأرض، لا مَنّةً من أحد. يا له من يومٍ اكتست فيه أرض الجنوب حُلّةً مزهوة بالعز والكرامة، ترفرف فوق جبالها ومبانيها رايات الحرية، وتصدح الحناجر بأناشيد النصر الجنوبي المبين.

وفي هذه الذكرى الغالية على قلوبنا، نتذكر الشهداء ونقف عرفانًا وإجلالًا لتضحياتهم الجسيمة، ولأبطال الكفاح المسلح الأحرار، وللنساء اللاتي قدن المسيرات ومرّضن الجرحى، وللشيوخ الذين رسخوا الهوية الوطنية في وجدان الأجيال، ليكون الاستقلال ثمرة إجماع شعبي والتفاف وطني.

إننا اليوم، ونحن نعيش ذكرى الاستقلال الأول، لا نحتفل بها فقط كمناسبة تاريخية، بل كوقفة صادقة مع الذات لنسأل أنفسنا: هل نحن أوفياء لدماء الشهداء؟ وهل ما زلنا نمضي على طريق الحرية الحقيقية؟ وهل نمتلك الشجاعة لصون مكتسبات الاستقلال؟ نقولها يقينًا: نعم، نستطيع الحفاظ على منجزات الاستقلال الأول لمواصلة الخطى نحو تحقيق الاستقلال الثاني، تقديرًا لتضحيات الجنوب أرضًا وإنسانًا.

واليوم تزداد حاجتنا لإدراك أن التحرر لا يكون فقط من المحتل العسكري، بل من الجهل والفساد والفرقة والفتنة التي تريد كسر إرادتنا. إن 30 نوفمبر ليس مجرد تاريخ، بل مشروع وطني مستمر يجسد إرادة شعب اختار الحرية على الخنوع، والسيادة على العبودية، والكرامة على الذل. إنه اليوم الذي يجب علينا فيه التأكيد أن الجنوب، الذي قاوم وصمد وانتصر، قادر بلا محالة على استعادة دولته كاملة السيادة بحدود ما قبل 22 مايو 1990م، متى ما اتحد أبناؤه والتفّوا حول هدف واحد ومصير مشترك.

ولذا، لا بد من جعل هذه الذكرى وقودًا للنضال، تملأ الوجدان عزماً على بناء وطن يستحق تضحيات الشهداء ويليق بالأجيال القادمة، فالنصر حليف أبدي للشعوب الحرة التي لا تعرف الانكسار.