الجنوب على بوابة العالم.. كيف يفرض الرئيس الزُبيدي حضور شعب الجنوب في معادلة الأمن الإقليمي؟

اخبار وتقارير


الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 02:31 م
4 مايو/تقرير خاص: مريم بارحمة



ترسمُ المتغيراتُ السياسية والأمنية المتلاحقة في البحر الأحمر وخليج عدن ملامح مرحلة جديدة من التنافس والتأثير الإقليمي والدولي، في ظل واحدة من أكثر الفترات حساسية وتعقيداً في تاريخ المنطقة الحديث. وبينما تتسابق القوى الدولية والإقليمية لاحتواء التهديدات المتزايدة التي تطال الملاحة البحرية وطرق التجارة العالمية، يفرض الجنوب العربي حضوره بوصفه رقماً فاعلاً في معادلة الأمن الإقليمي، وشريكاً محورياً لا يمكن تجاوزه في حماية أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم.

وفي هذا السياق جاءت تصريحات الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، لتؤكد بوضوح أن الجنوب لم يعد ينظر إلى نفسه باعتباره مجرد ساحة تتأثر بالأحداث الإقليمية، بل باعتباره طرفاً فاعلاً يمتلك القدرة والإرادة للمشاركة في صناعة الأمن والاستقرار وحماية المصالح الدولية المشتركة.

فحين يؤكد الزُبيدي استعداد الجنوب للقيام بدوره في حماية الممر المائي الحيوي، ويكشف عن تكثيف التواصل مع الشركاء في المنطقة والغرب لتحقيق هذا الهدف، بما يشمل مناقشات لإدراج الجنوب ضمن الحسابات الأمنية الإقليمية، فإنه يضع أمام العالم حقيقة سياسية جديدة مفادها أن الجنوب أصبح جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة، وأن تجاهله في المعادلات الأمنية لم يعد أمراً ممكناً أو واقعياً.





ـباب المندب الموقع الذي يصنع السياسة

عبر التاريخ لم تكن الجغرافيا مجرد حدود على الخرائط، بل كانت مصدراً للقوة والنفوذ والتأثير. ويُعد مضيق باب المندب أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إذ يمثل شرياناً استراتيجياً تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم وإمدادات الطاقة الدولية.
وتدرك القوى الكبرى أن أي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ولذلك أصبحت حماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن قضية تتجاوز حدود الدول المطلة عليه لتتحول إلى أولوية دولية كبرى.

وفي قلب هذه الجغرافيا الاستراتيجية يقع الجنوب العربي، ممتداً بسواحله الطويلة على بحر العرب وخليج عدن، ومشرفاً على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية. وهي ميزة لم تعد تُقرأ اليوم من منظور جغرافي فقط، بل من منظور سياسي وأمني واستراتيجي يمنح الجنوب مكانة متقدمة في الحسابات الإقليمية والدولية.




ـالمجلس الانتقالي من حامل للقضية إلى شريك في الأمن الإقليمي

منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، سعى إلى تقديم نفسه باعتباره الممثل السياسي لقضية شعب الجنوب وحاملاً لتطلعاته الوطنية. لكن التطورات المتلاحقة في المنطقة أظهرت أن دوره لم يعد مقتصراً على البعد السياسي الداخلي، بل امتد ليشمل ملفات ذات طابع إقليمي ودولي.
ففي الوقت الذي عانت فيه مناطق واسعة من اليمن من الفوضى الأمنية وتصاعد نفوذ الجماعات المتطرفة والمليشيات المسلحة، تمكنت القوات الجنوبية من فرض معادلة مختلفة قائمة على مكافحة الإرهاب وترسيخ الأمن والاستقرار وحماية الممرات الحيوية.

هذه النجاحات لم تمر دون أن تلاحظها العواصم الإقليمية والدولية، بل أسهمت في بناء صورة متنامية للجنوب باعتباره شريكاً موثوقاً في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
ومن هنا يمكن فهم التحركات السياسية والدبلوماسية التي يقودها الرئيس القائد الزُبيدي لإدراج الجنوب ضمن الحسابات الأمنية الإقليمية، باعتبارها امتداداً طبيعياً للدور الذي باتت تلعبه القوات الجنوبية على الأرض.




ـقوات جنوبية صنعت واقعاً جديداً

لم تأتِ المطالبة بإشراك الجنوب في ترتيبات الأمن الإقليمي من فراغ، بل استندت إلى واقع ميداني فرضته التضحيات والإنجازات التي حققتها القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية الجنوبية خلال السنوات الماضية.
فقد خاضت هذه القوات معارك مصيرية ضد التنظيمات الإرهابية والجماعات المتشددة، واستطاعت تحرير مناطق واسعة كانت تمثل بؤراً للتهديد وعدم الاستقرار.
كما نجحت في حماية السواحل والمنشآت الحيوية والموانئ والممرات البحرية الواقعة ضمن نطاق مسؤولياتها، الأمر الذي جعلها تكتسب خبرات نوعية في مجالات الأمن البحري ومكافحة التهريب والإرهاب والجريمة المنظمة.
هذه الإنجازات حولت الجنوب من منطقة كانت تعاني التهديدات إلى نموذج أمني يحظى باهتمام وتقدير العديد من الشركاء الإقليميين والدوليين.




ـلماذا يحتاج العالم إلى الجنوب؟

الواقع الجيوسياسي الجديد في المنطقة يؤكد أن حماية الملاحة الدولية لا يمكن أن تعتمد على الأساطيل الأجنبية وحدها، بل تحتاج إلى شراكات حقيقية مع القوى المحلية القادرة على العمل الميداني وتأمين السواحل والموانئ والممرات البحرية.

ومن هذه الزاوية تبرز أهمية الجنوب باعتباره يمتلك عناصر لا تتوافر مجتمعة لدى أطراف أخرى، تشمل الموقع الاستراتيجي والقوات المؤهلة والخبرة الميدانية والإرادة السياسية.
كما أن الجنوب يمتلك مصلحة مباشرة في استقرار الملاحة الدولية، باعتبار أن أمن الممرات البحرية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمنه القومي ومستقبله الاقتصادي والسياسي.
ولهذا فإن أي استراتيجية طويلة المدى لحماية البحر الأحمر وخليج عدن ستظل ناقصة ما لم يكن الجنوب جزءاً أساسياً منها.




ـالزُبيدي والدبلوماسية الجديدة للجنوب

خلال السنوات الأخيرة قاد الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي حراكاً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً نقل قضية شعب الجنوب من الإطار المحلي إلى فضاءات إقليمية ودولية أوسع.
وشهدت هذه المرحلة سلسلة من اللقاءات والحوارات مع مسؤولين وصناع قرار ومراكز تأثير في المنطقة والعالم، ركزت على إبراز أهمية الجنوب كشريك في تحقيق الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب وحماية المصالح الدولية.

واليوم تعكس التصريحات المتعلقة بتكثيف التواصل مع الشركاء الإقليميين والغربيين انتقال هذا الحراك إلى مرحلة أكثر تقدماً، عنوانها بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والتعاون الأمني طويل الأمد.




ـالجنوب في قلب المعادلة القادمة

تشير التطورات الراهنة إلى أن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكيل منظوماتها الأمنية بما يتناسب مع التحديات الجديدة التي تواجهها. وفي ظل هذه التحولات يبرز الجنوب بوصفه أحد أهم الفاعلين المرشحين للعب دور محوري في المستقبل.
فالموقع الجغرافي وحده يمنحه أهمية استثنائية، أما ما تحقق على الأرض من بناء مؤسسات أمنية وعسكرية فاعلة فقد عزز من قدرته على ترجمة هذه الأهمية إلى دور عملي ملموس.

ولهذا لم يعد الحديث عن إدراج الجنوب ضمن الحسابات الأمنية الإقليمية مجرد احتمال سياسي، بل أصبح اتجاهاً يفرضه الواقع وتدعمه الحاجة المتزايدة إلى شركاء موثوقين في حماية الممرات البحرية الدولية.




ـالمشاركة في صياغة مستقبل المنطقة

تؤكد المعطيات السياسية والأمنية المتسارعة أن الجنوب العربي لم يعد مجرد ساحة تتنافس عليها المشاريع الإقليمية، بل أصبح لاعباً مؤثراً يمتلك القدرة على المشاركة في صياغة مستقبل المنطقة.
ومن خلال الرؤية التي يقودها الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، يسير الجنوب بخطوات متقدمة نحو تثبيت حضوره في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، مستنداً إلى موقعه الاستراتيجي وتضحيات قواته المسلحة وإرادة شعبه.
ومع تزايد التحديات التي تواجه الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، تبدو الحاجة إلى دور الجنوب أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، ليس فقط لحماية الممرات البحرية، بل أيضاً لبناء منظومة أمنية أكثر استقراراً وتوازناً تخدم مصالح المنطقة والعالم، وتؤكد أن شعب الجنوب بات شريكاً حقيقياً في صناعة الأمن والسلام والاستقرار.






اهم الاخبار - صحيفة 4 مايو الالكترونية